ممكن يوم تزعل منه، تلاقي أمه واقفة قصادك. وممكن… لا قدر الله… تأذيكي..
_مش فاهمة حاجة ياماما
_يعني ياحبيبتي، عمره ماهيختارك عن امه، دي امه مهما كان، وأنا خايف من عالم عمران، احنا مش قدهم يابنتي
شهقت ليلى:
_ بس هو هيختارني أناب، هي مش هتقدر، هيحميني !
_ تقدر.. ياليلى
قالتها وفاء بحسم، ثم ضمتها إليها أكثر.
_ وأنا مش مستعدة أجرب.
صمتت لحظة، قبل أن تضيف بصوت متهدج:
_ إحنا ناس على قدنا يا ليلى. لا عندنا نفوذهم، ولا فلوسهم، ولا ناس تقف لنا لو حصلت مشكلة.
ثم مسحت على شعرها:
_ يرضيكي الست دي تأذي أخوكي في شغله؟ يرضيكي تستخدم قوتها علشان تضغط علينا؟ علشان بس إنتِ اتجوزتي ابنها وهي مش راضية؟
تجمدت ليلى، وكأن كلمات والدتها أصابتها في أضعف نقطة.
همست:
_ أخويا…فريد
_ أيوه، أخوكي. وأنا مش هجازف بيه ولا بيكي.. دي تقدر تعمل أي حاجة
احتضنتها وفاء، لكن ليلى ظلت تبكي في صمت، وداخلها شيء ينهار قطعة وراء أخرى.
_ الحب مش كل حاجة يا حبيبتي…
قبــ,,ـــــضت ليلى على ثوب والدتها كطفلة تخشى أن تُنتزع منها آخر قطعة أمان.
_ صدقيني…
ممكن الحب يعيشك أجمل أيام عمرك، وممكن في لحظة يتحول لمرارة لو الناس اللي حواليكم قرروا يحاربوكم
_أتا امك وأكتر واحدة في الدنيا خايفة عليكي
طبعت قبلة على رأسها، وقالت والدموع تلمع في عينيها:
_ وأنا مش هسيبهم يقربوا منك، ولو عمران نفسه، حتى لو هتكرهيني علشان أنقذك.
بكت ليلى بشهقات متقطعة، ثم نهضت فجأة، وكأنها تهرب من كلمات والدتها قبل أن تخنقها أكثر.
تعثرت خطواتها وهي تتخبط في طريقها، لا ترى أمامها من شدة الدموع التي غمرت عينيها، حتى دلفت إلى أول غرفة نوم قابلتها.
أغلقت الباب خلفها، ثم هوت على الفراش بجسد مرتجف، وانفجرت في بكاء مكتوم سرعان ما تحول إلى شهقات موجعة.
كيف لها أن تبتعد عنه؟
كيف يمكنها أن تستيقظ يومًا ولا يكون عمران أول من تبحث عنه عيناها؟
هل ستتحمل أن تمر الأيام من دونه؟
هل تستطيع أن تغمض عينيها في الليل دون أن تسمع صوته وهو يطمئنها، أو تشعر بيده تحيط بها، أو تتذكر ابتسامته التي كانت آخر شيء تراه قبل أن يغلبها النوم؟
وضعت كفيها على وجهها، لكن دموعها لم تتوقف.
كلما حاولت أن تقنع نفسها بأنها ستنساه، باغتها وجهه في ذاكرتها.
ابتسامته…نظراته…صوته حين ينادي اسمها…
وذلك الدفء الذي كانت تشعر به كلما احتمت بين ذراعيه، وكأن العالم كله يصبح أهدأ لمجرد وجودها في حــ,,ـــــضنه.
التفتت على جانبها، ثم احتضنت نفسها بقوة، تحاول أن تمنح جسدها شيئًا من الأمان الذي اعتادت أن تجده معه.
لكن لا شيء كان يشبه عمران.
لا شيء كان قادرًا على ملء ذلك الفراغ الذي بدأ يتسع داخل صدـ,,ـــرها.
انهمرت دموعها بغزارة، حتى ابتلت وجنتاها ووسادتها، بينما خرج اسمُه من بين شفتيها كأنها تستغيث به:
_ عمران…
ثم أغمضت عينيها، وما زالت دموعها تنساب بصمت.
_ وحشتني…
قالتها بصوت خافت مبحوح، قبل أن تغلبها غفوة مثقلة بالحزن.
نامت ليلى وهي تحتضن نفسها، وقلبها ما زال متعلقًا برجلٍ قررت الحياة أن تنتزعه منها… رغم أنها لم تتوقف لحظة عن حبه.
بمنزل محمود المختار
اقتربت ثريا من منال بعدما تعرفت على هويتها
_محمود المختار فين
دققت منال بها ثم تسائلت
_عايزة محمود المختار ليه
_علشان بنته… قالتها وهي تثبت عيناها بعيني منال
في تلك اللحظة وصل محمود، توقف حين وجد تلك السيدات
صعد سلم منزله، فصاحت منال
_الهانم دي عايزاك يامحمود
_هانم…
قالها وهو يقترب من باب منزله، فتح الباب وتوقف يتطلع اليهم
_خير ياهانم عايزة ايه
اقتربت منه تدق الارض بكعبها العالي
نظرت بعيناها لداخل البيت ثم قالت
_انت ابو البت اللي اسمها ليلى
_البت اللي اسمها ليلى… تقصدي ايه
_هنتكلم على الباب
ــــــــــــــــــــــــــ
ابتعد محمود عن الباب، وأشار إليها أن تدخل، فدلفت إلى الداخل بخطوات واثقة، راحت عيناها تتجولان في أرجاء المكان باحتقار واضح، وكأنها لم ترَ سوى ما يؤكد في داخلها أن ابنته لا تليق بابنها.
توقفت أمام محمود، وظلت تنظر إليه للحظات، ثم أخرجت من حقيبتها رزمة من النقود، وألقتها أمامه بلا اكتراث.
— خد دول… وخلي بنتك تبعد عن ابني.
رفع محمود عينيه إليها ببطء، وقد انعقد حاجباه من شدة الاستغراب.
— إنتِ مين يا ست؟
اقتربت منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوة، وقالت بنبرة متعالية لا تخلو من الغضب:
— أنا أم عمران بيه… اللي بنتك بتجري وره
صمتت تحدقه ثم تابعت بحدة:
— أنا جيت لك لحد عندك بنفسي، بحذرك بنتك تبعد عن ابني، ومترجعوش تعيطوا و. مستحيل أقبل بيها في عيلتي…
خليها تعرف مقامها وتبص على قدها.
قالتها، ثم استدارت لتغادر، لكنها توقفت حين وقعت عيناها على منال الواقفة بالقرب من الباب، فحدقتها بنظرة طويلة ذات مغزى، قبل أن تخرج.
لحقتها دولت ومنال سريعًا.
أما محمود، فظل واقفًا مكانه للحظات، وعيناه معلقتان بالنقود الملقاة على الأرض.
“بنتك تبعد عن ابني…”
كانت الجملة تدور في رأسه، وكل مرة تتردد فيها كانت تشعل النــ,,ـــــار في صدـ,,ـــره أكثر… بقلم سيلا وليد
انحنى والتقط النقود، ثم أسرع خلفها.
— استني عندك يا ست!
استدارت ثريا، وقبل أن تتحدث، كان محمود قد ألقى النقود في وجهها، فتساقطت حولها.