مذكرات
اومأ برأسه وقال
_ربنا يوفقه يارب، خليه ياخد اللي هو عايزه، يمكن يدخل طب
_مابلاش طب ياحبيبي، مصاريفه كتيرة، خليه في كلية عادية
_ماما… متقوليش قدامه كدا، ربنا يقدرني وادخله طب
_انت ليه مش بتفكر في نفسك خالص يابني، انت داخل على التلاتين، هتفضل لحد امتى من غير جواز
_لما يجي وقته ياماما
بقلم سيلا وليد
ــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات…
كان عبد الرحمن مستلقيًا أسفل إحدى السيارة داخل الورشة، لا يظهر منه سوى قدماه، بينما وقف المعلم فاروق إلى جوار السيارة يتابع عمله.
_العربية دي عايزة شغل يومين يا معلم.
اعتدل فاروق في وقفته، ثم قال:
_اعمل اللازم يا عبده، الراجل مش مستعجل عليها يا ابني.
خرج عبد الرحمن من أسفل السيارة، ثم أمسك بقطعة قماش قديمة ومسح بها يديه الملطختين بالزيت.
_خلاص… هطلع آخد دش على السريع، وأنزل أشتري كل اللي يلزمها.
ابتسم فاروق وهز رأسه.
_تمام، بس متتأخرش… إنت لما بتغيب، الدنيا هنا بتقف.
وقبل أن يجيبه، ظهر خالد من داخل الورشة، وهو يضحك ساخرًا:
_وبعدين يا عم فاروق؟ صاحب العربية دي مش هنخلص منه؟
توقف فاروق عن العمل، ونظر إليه بضيق.
_وبعد هلاك يا خالد…
الراجل محترم، إنت اللي مندفع يا ابني.
ألقى عبد الرحمن نظرة جانبية إلى خالد، ثم قال وهو يبتسم:
_اسمع وطنش يا خالد… هتكسب كتير.
التفت إليه خالد بسخرية.
_أنا مش زيك يا عبدو حنبلي… أنا مبسكتش على الغلط.
مساءً…
كانت خديجة تجلس في شرفة غرفتها، على مقعدها الخشبي الصغير، وأمامها طاولة تتناثر فوقها كتبها وأوراقها. تحاول مراجعة دروسها، بعدما بدأت أخيرًا تخطط لما بعد الجامعة، وللحياة التي تتمنى أن تصنعها بيديها.
وعلى الجهة المقابلة…
كان عبد الرحمن يقف في شرفة منزله، يحمل كوب الشاي بيد، وسيجارته باليد الأخرى، لكن عيناه لم تبتعد عنها، يتابع كل تفصيلة فيها دون أن يشعر بالوقت، وكأن وجودها أمامه أصبح طقسًا يوميًا لا يستطيع أن يبدأ ليله بدونه.
توقفت والدته خلفه، تأملت حالته لحظات، ثم قالت وهي تكتم ضحكتها:
_طيب هنفضل نقضيها نظرات يا واد ولا إيه؟
انتفض من شروده، والتفت إليها بابتسامة بريئة مصطنعة.
_بتقولي إيه يا ست الحبايب؟
لكزته في كتفه وهي تضحك:
_بقول إزيك يا سيد الناس!
انفلتت من عبد الرحمن ضحكة عالية، ارتفعت في سكون الليل حتى وصلت إلى الشرفة المقابلة.
رفعت خديجة عينيها عن كتابها.
توقفت يدها عن تقليب الصفحات، وتعلقت عيناها به.
لم تعرف لماذا ابتسمت…
ولا لماذا شعرت أن ضحكته تحديدًا قادرة على أن تجعل قلبها أخف.
كان في تلك اللحظة يعطيها ظهره، طويل القامة، عريض المنكبين، ببشرة خميرية زادها ضوء الليل دفئًا، وشعر فحمي ناعم تناثرت خصلاته فوق رأسه.
ظلت تحدق به للحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى.
شاب اعتادت وجوده منذ سنوات…
لكنها بدأت تراه الآن بعين مختلفة.
ولم تنتبه إلى والدتها التي دخلت الشرفة تحمل كوب الشاي.
_عملت لكِ شاي يا حبيبتي.
لم تستمع اليها خديجة، لشرودها بمن خطف قلبها، توقفت والدتها خلفها، وتتبعت اتجاه عيني ابنتها، ثم ابتسمت ابتسامة
وضعت كوب الشاي أمامها، ثم سحبت مقعدًا بلاستيكيًا وجلست إلى جوارها.
_حلو… وابن حلال كمان. ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي.
انتفضت خديجة، وكأن أمها ضبطتها متلبسة بشيء خطير.
_هو مين ده يا ماما؟
ضحكت والدتها وهي تشير بعينيها إلى الجهة المقابلة.
_أهو… الحليوة الأسمراني اللي خاطف قلوب بنات الحتة.
أخذت خديجة تقلب صفحات كتابها بارتباك
_إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟
اقتربت والدتها منها، وقالت بمكر أم تعرف ابنتها أكثر مما تعرف نفسها:
_هتخبي على ماما يا ديجة؟ إنتِ مفكرة إني مش واخدة بالي من نظراتكم لبعض؟
رفعت خديجة عينيها إليها، ثم قالت بذهول:
_نظراتنا؟ ليه… هو بيبص لي يا ماما؟ ولا بيفكر فيا أصلًا؟
ابتسمت والدتها بحنان، وربتت على يدها.
_ده مش شايف غير ديجا.
توقفت خديجة عن التنفس للحظة.
_يعني إيه؟
مالت والدتها نحوها وهمست:
_وعشان تطمني… أمه رمت لي كلمتين كده، وقالت إنهم مستنيينك تخلصي الجامعة.
اتسعت عيناها.
_معقول يا ماما؟
ابتسمت والدتها.
_معقول جدًا.
ارتجف قلب خديجة، وانخفضت عيناها إلى الكتاب، بينما تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغماً عنها.. تهمس لنفسها
عبد الرحمن…يفكر فيها.
الشاب الذي طالما اعتبرته مجرد جار وصديق للعائلة، كان ينظر إليها بالطريقة نفسها التي بدأت عيناها تنظران إليه بها.
لاحظت والدتها السعادة التي أضاءت وجهها، فمسدت على ظهرها بحنان أمومي.
_ومش معقول ليه؟ إن كان هو فتى مفتول العضلات وابن حلال، بنتنا برضه جميلة الجميلات.
ضحكت خديجة بخجل، وحاولت إخفاء وجهها خلف الكتاب.
فاحتضنتها والدتها بنظرة مليئة بالأمنيات.
_ربنا يسعدك يا حبيبتي… وأشوفك أجمل عروسة في الدنيا.
لم تجب خديجة.فقط ابتسمت…
لكن قلبها كان يجيب بدلًا عنها.
وفي الجهة الأخرى، ظل عبد الرحمن يتحدث مع والدته، دون أن يعرف أن فتاته كانت قد سمعت للتو شيئًا سيغير نظرتها إليه إلى الأبد.
أما خلف الباب…
كانت جيهان، زوجة أخيها، تقف تستمع إلى كل كلمة.
تبدلت ملامحها، وانطفأت ابتسامتها، واشتعلت الغيرة في عينيها.
ابتعدت عن الباب ببطء، ثم تمتمت من بين أسنانها:
_بقى عبد الرحمن بيحبك إنتِ؟