منوعات

الثالث عبد الرحمــــــــن وخديجة بقلم سيلا وليد

وهي حورية قلبه التي سرقت منه نبضه، ثم تركته عاجزًا عن استعادته.
وصلت إليه بابتسامة مشرقة، وقالت بدلالٍ لم تستطع إخفاءه:
_قول مبروك بقى يا سيدي.
ظل صامتًا للحظات، وعيناه معلقتان بها، حتى مد يده فجأة نحو الخوذة، والتقطها ثم مدها إليها.
_البسي دي.
نظرت إلى الخوذة باستغراب، ثم رفعت عينيها إليه.
_ألبس دي ليه؟ مش فاهمة.
اقترب منها خطوة، ثم وضع الخوذة فوق رأسها بنفسه، وانحنى قليلًا حتى همس بجوار أذنها:
_البسي علشان هوصلك.
رفعت رأسها إليه سريعًا، وقد انعقد حاجباها بدهشة.
_أركب فين يا عبد الرحمن؟
لم يجبها.

صعد إلى الدراجة، ثم التفت إليها بنظرة جانبية، وأشار بعينيه إلى المقعد خلفه.
_مش هنتظر كتير… ولا المكنة مش عجباكي؟ والعربيات المرسيدس هي الحلوة؟
توقفت أنفاسها.
قبضةٌ باردة اعتصرت قلبها فور أن فهمت ما يرمي إليه.
_إنت تقصد إيه؟
رفع حاجبه، وصوته يحمل غيرةً حاول عبثًا أن يخفيها:
_اركبي يا خديجة.
_بس…
قاطعها بحدة:
_ما هو هتركبي يعني هتركبي، حتى لو بالغصب.
اتسعت عيناها بذهول، وكأنها لم تتوقع أن تسمع منه تلك الكلمات.
_عبد الرحمــــــــن! إنت بتقول إيه؟ إزاي بس أركب معاك وإحنا…
التفت إليها بعينين يشتعلان غيرةً وعتابًا.

_وإحنا إيه؟
صمتت.. اقترب منها أكثر:
_وكان هو إيه علشان تركبي مع غريب عربيته، وفي نفس الوقت أنا أطلب منك أوصلك وترفضي؟
هزت رأسها بسرعة، وتقدمت نحوه خطوة، تتوسله بعينيها قبل كلماتها:
_الموضوع مش كده… إنت متعرفش إيه اللي حصل.
ابتسم ابتسامة موجوعة
_اللي أعرفه إن حبيبتي رفضت إني أوصلها، وركبت مع راجل غريب… واحد معروف بسمعته السيئة.
_أنا اتغصبت، واتخيرت يا عبد الرحمن.
جاء رده سريعًا، كأنه كان ينتظرها:
_حلو…ثم نظر إليها بثبات.
_وأنا كمان بغصب عليكي وبخيرك.
تجمدت أمامه.
_واختاري.
شهقت، والغضب امتزج بالألم في عينيها.

_بس إنت مش كده!
هبط عن الدراجة في لحظة، واتجه إليها بخطوات سريعة، ثم أمسك بذراعيها
_عندك أقدر أقلب شيطان، سمعتي؟
ارتجفت عيناها نحوه.
_ومن وقت ما قلتلك إني بحبك… يبقى كل حاجة انتهت.
اقترب منها، وصوته خرج عميقًا، ممتلئًا بغيرة رجلٍ فقد قدرته على التظاهر بالهدوء:
_بقيتي ملكي.
ظلت تحدق به، والذهول يشل كلماتها.
_عبد الرحمــــــــن… الناس بتبص علينا.
التفت حوله لحظة، ثم عاد إليها دون اكتراث:
_ميهمنيش الناس والزفت.
أشار إلى الدراجة.
_هتركبي ولا أمشي؟
أغمضت عينيها للحظة، تحاول أن تجمع شتات قلبها.

صعد عبد الرحمن إلى الدراجة، وأدار محركها، لكنّه توقف قبل أن ينطلق.
بينما هي كانت واقفة مكانها، مترددة بين الخوف والضيق والغيرة التي لم تعترف بها حتى لنفسها، شعرت بقلبها يدفعها نحوه.
اقتربت بجسد مرتجف، ثم صعدت خلفه.
في اللحظة التي استشعر فيها وجودها خلفه، ارتجف قلبه بسعادة حاول جاهدًا إخفاءها.
التفت بنصف رأسه إليها.
_امسكي فيا… هتوقعي.
همست بصوتٍ مرتعش:
_عبد الرحمن…
استدار إليها بنصف جسده، فتعلقت عيناه بعينيها، اللتين تجمعت فيهما الدموع.
تغيرت ملامحه للحظة.
هدأت غيرته، لكن وجعه ظل حاضرًا.
_يلا يا خديجتي…

ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:
_ممكن اللي بعمله ده يكون عقاب ليكي، بس صدقيني… أنا بتعاقب أضعافه.
ابتلعت غصتها.
_وعقابك ده علشان إيه؟
ثبت عينيه عليها.
_علشان متديش فرصة لأي حد، أيًّا كان، إنه يقرب من مملكتي.
انحنى قليلًا، يتأمل عينيها اللتين هربتا إلى الأرض.
ثم قال بصوتٍ امتزج فيه العشق بالغيرة:
_إنتِ مملكتي الخاصة يا خديجة… واللي يقرب منها، مش هاضمن رد فعلي.
رفعت عينيها إليه، فوجدته قريبًا إلى الحد الذي أربك نبضها.
فقالت بصوتٍ خافت يحمل عتابًا موجعًا:
_هتمشي؟ ولا هتفضل تبرر الغلط؟

ثم أضافت، وكأنها تذكره بما يؤلمها أكثر:
_افتكر إنّي خُنت ثقة أمي.
استدار عنها حتى لا يرى الحزن في عينيها، وحتى لا يضعف أمام نبرة صوتها.
ثم مد يده إلى الخلف، وأمسك بكفيها، وسحبهما برفق وأحاطا بخصره.
_امسكي جامد.
تجمدت للحظة.. وانتفض جسدها بالكامل من فعلته
_عبد الرحمــــــــن لو سمحت مينفعش كدا؟

ردَّ دون أن يلتفت إليها، بينما قبضت يداه على مقود الدراجة بثبات:
_امسكي كويس، مش هاكلك… علشان متقعيش. ولازم تتعودي على كده.
أغمضت عينيها، وما إن تحرك فجأة حتى اندفع جسدها إلى الخلف، ثم للأمام فارتطمت به دون إرادة منها، واضطرت أن تُريح جبهتها على ظهره، بينما تشبثت أصابعها بقميصه في ارتباك
ظل يقود بصمت، والهواء يصفع وجهه، بينما الغيرة تعصف برأسه بعنف.
يعلم أنه أخطأ.. بل يعلم أن ما فعله جرحها.
لكنه لم يعرف كيف يسيطر على ذلك الشعور المجنون الذي اشتعل داخله منذ أن رآها تركب مع رجل آخر…

لم يحتمل الفكرة، ولم يحتمل أن يرى غيرته ضعيفة أمام عينيها، فخرجت منه القسوة بدلًا من الاعتراف بالخوف.. وصل إلى شاطئ البحر.
أوقف الدراجة، وترجل عنها سريعًا، ثم ابتعد بضع خطوات، تاركًا لها مساحة.
لكنها ظلت مكانها.. لم تتحرك.
كانت تحدق في البحر بعينين جامدتين، و
أخرج هاتفه، وزفر زفرة طويلة قبل أن يجري اتصالًا.
وما إن أتاه صوت فاتن حتى قال:
_إزي حضرتك يا ست الكل؟
_أهلا يا ابني، عامل إيه؟
_الحمد لله… ماما كلمتني، وقالت لي على اللي دار بينكم. وأنا موافق على كل شروطك يا أمي.

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى