_ عبد الرحمن… أجاب عبد الرحمن بصوت مذعور:
_ خالتي فاتن؟ حضرتك كويسة؟ حاولت الإجابة، لكن أنفاسها خانتها، كما خانها جسدها. _ خد… يجة… ثم انقطع كل شيء. سقط الهاتف من يدها، وهوى جسدها إلى الأرض، غارقة في ظلام دامس. في الخارج، سحبت جيهان خالد بعيدًا عن خديجة. _ قلتلك كفاية! مش عايزين فضايح! لازم تخرس أي حد يتكلم. نهضت خديجة بصعوبة، ودموعها تنساب على وجهها، ثم نظرت إلى جيهان بنظرة لم تحمل خوفًا، بل وجعًا واحتقارًا.
_ أنتِ حرباية… وشيطانة. ربنا ينتقم منك. استدار خالد وصفعها بقوة. تدلى وجهها إلى الجانب من شدة الصفعة، وبقيت للحظات لا تستوعب أن اليد التي لطالما احتمت بها يومًا، هي ذاتها التي آلمتها الآن. رفعت عينيها إليه ببطء. لم تبكِ هذه المرة… ابتسمت ابتسامة موجوعة، وقالت:
_ شكرًا… ارتجف صوتها:
_ يعني هستنى منك إيه؟ أنتَ شكيت في أختك اللي أنتَ مربيها… وصدقت كلام مراتك. مسحت دموعها بيد مرتعشة. _ أنا فوضت أمري لربنا فيك… وفي مراتك.
توقف خالد للحظة. تسلل الندم إلى عينيه، وكأنه رأى للمرة الأولى حجم ما فعله. لكن جيهان أسرعت تقول:
_ اتمسكني يا بت، علشان ما يعاقبكيش يا قليلة الأدب! استدار إليها خالد بعصبية:
_ جيهان… اخرسي! لكن خديجة لم تعد تسمع شيئًا. أزالت دموعها بعنف، ثم ركضت نحو الغرفة التي تركت فيها والدتها. فتحت الباب… وتوقفت. ثانية واحدة فقط. ثم خرجت صرختها، شقت سكون المنزل كله:
_ مــــــــاماااااااااااااااااااا! كانت فاتن ملقاة على الأرض بلا حراك.
اندفعت خديجة إليها، وسقطت على ركبتيها، واحتضنت رأسها بين ذراعيها وهي تصرخ باكية:
_ ماما! ماما ردي عليا! لكن فاتن لم تجب. هزت خديجة كتفيها بجنون:
_ ماما، افتحي عينيكي… علشاني! ثم شهقت وهي تنظر إلى وجه والدتها الشاحب:
_ ماما… ركض خالد على صراخ خديجة.
وبعد دقائق، كانت سيارة الإسعاف تنقل فاتن إلى المستشفى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم سيلا وليد
بعد قليل
خرج الطبيب من غرفة العناية، فانتفض خالد من مكانه واتجه إليه سريعًا، بينما كانت خديجة تقف خلفه، وجهها شاحب وعيناها معلقتان بالطبيب.
_ماما عاملة إيه يا دكتور؟
تنهد الطبيب، ثم أشار لهما بالجلوس.
_والدتك عندها مشكلة في القلب، وإغماءها الأخير مش مجرد هبوط أو إرهاق زي ما كنا متوقعين.
تجمد خالد في مكانه.
_مشكلة في القلب؟!
أومأ الطبيب بهدوء.
_عملنا لها رسم قلب وإنزيمات قلب، وبعدها الإيكو، والنتيجة وضحت إن عندها ضيق وانسداد شديد في الشرايين التاجية، وكفاءة عضلة القلب نفسها منخفضة.
ابتلع خالد ريقه بصعوبة.
_يعني إيه كفاءة عضلة القلب منخفضة؟
_يعني القلب مش بيضخ الدم بالكفاءة الطبيعية. النسبة عند والدتك حوالي خمسة وثلاثين في المية، وده أقل من الطبيعي بشكل واضح.
وضعت خديجة يدها على فمها، بينما سأل خالد بصوت مرتجف:
_والحل إيه يا دكتور؟
صمت الطبيب للحظات قبل أن يقول:
_الحل الأفضل في حالتها هو جراحة تحويل مسار للشرايين التاجية… عملية قلب مفتوح.
شهقت خديجة من خلفه، بينما ظل خالد يحدق بالطبيب وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله بعد.
_قلب مفتوح؟!
_أيوه.
_طب والقسطرة؟ مش ممكن تعملوا دعامة وخلاص؟
هز الطبيب رأسه.
_في حالات معينة بنقدر نعالج الانسداد بالدعامات، لكن حالة والدتك مختلفة. الانسدادات عندها متعددة ومكانها مش مناسب للعلاج بالقسطرة بالشكل اللي يدي نتيجة آمنة وطويلة المدى. عشان كده الجراحة هي الخيار المطروح بقوة.
خفض خالد رأسه، ثم رفع عينيه إليه بسرعة:
_يعني العملية هتنجح؟
لم يجب الطبيب فورًا.
ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليزرع الرعب في قلبه.
_أنا مش هكدب عليك يا أستاذ خالد… العملية ممكن تتعمل، لكن حالة والدتك مش سهلة.
_ليه؟
_عندها سكر وضغط، وعضلة القلب ضعيفة، وده بيزود خطورة الجراحة والمضاعفات بعدها. لازم كمان نقيّم وظائف الكلى والرئة ونضبط السكر والضغط قبل العملية قدر الإمكان.
ارتجفت شفتا خالد.
والعملية دي مكلفة
اجاب الطبيب: العملية محتاجة تجهيزات وفريق جراحة قلب وعناية مركزة، وتكلفتها مش قليلة يا أستاذ خالد، خصوصًا إن حالة والدتك محتاجة متابعة دقيقة بعد العملية.
خالد بقلق: يعني في حدود كام يا دكتور؟
الدكتور:
الإدارة المالية هي اللي تقدر تحدد الرقم النهائي بعد ما نعرف كل التفاصيل، وأنا مش حابب أقولك رقم مبدئي ويطلع مختلف. لكن لازم تحسب حساب تكلفة كبيرة، خصوصًا لو احتاجت فترة أطول في العناية المركزة.
خرجت خديجة من غرفة الطبيب بخطواتٍ متعثرة، كأنها لا تعرف إلى أين تتجه، ولا ماذا تفعل بعد أن سمعت ما لم يكن قلبها مستعدًا لسماعه.
عملية قلب…نسبة خطورة مرتفعة…
والدتها قد لا تحتمل…
ترددت الكلمات في رأسها كأنها مطارق تضرب عقلها بلا رحمة.
هل يُعقل أن يأتي اليوم الذي تستيقظ فيه ولا تجد أمها إلى جوارها؟
هل يُعقل أن تفقد المرأة التي كانت لها أمًا، وأبًا، ووطنًا كاملًا؟
انهمرت دموعها بغزارة، وأسرعت تمسحها بيد مرتجفة، لكنها كانت أكثر من أن تُخفى.
وفجأة…
جاءها صوته من خلفها، ذلك الصوت الذي لطالما كان قادرًا على أن يهدئ اضطراب قلبها بمجرد أن تسمعه.
_خديجة!
توقفت في مكانها والتفتت إليه سريعًا.
كان عبدالرحمن يقف أمامها، وما إن وقعت عيناه على وجهها الغارق بالدموع حتى تغيرت ملامحه، واقترب منها بخطوات سريعة.
_مامتك عاملة إيه؟
لم تجبه.
ظلت تحدق به بعينين تائهتين
ماذا تقول له؟
هل تخبره أن أمها قد ترحل؟
هل تقول له إنها للمرة الأولى تشعر أنها طفلة صغيرة، خائفة من أن تفقد اليد التي ظلت تتشبث بها طوال عمرها؟
ارتجفت شفتاها، ولم تستطع الكلام.
فقال برفق:
_خديجة… بصيلي.
رفعت عينيها إليه.
وفي اللحظة نفسها، لمح أثر أصابع واضحًا على جانب وجهها، وقد تلون موضع الضربة بلونٍ قاتم.
تجمدت ملامحه.
_إيه اللي في وشك ده؟
أسرعت بوضع يدها فوق موضع الصفعة، وخفضت عينيها.
_اتخبطت في الحيطة.
ظل ينظر إليها للحظات.
لم يصدقها.
لكنه لم يضغط عليها،
رفع يده بهدوء إلى حجابها، وجمع بعض خصلات شعرها التي بعثرتها الحركة تحت الحجاب، ثم عدّل طرفه برفق.. كانت يداه حانية عليها بقدر حبه، طالعها بنظرة تخصها ومازال اطراف ححابها بين أصابعه
_ظبطي شعرك…متخليش حاجة منه تبان
نظرت إليه بصمت.
قال وهو يثبت عينيه في عينيها:
_ومش عايزك تقلقي… أنا موجود.
كانت كلمتان فقط.
لكن قلبها المكسور تلقاهما كأنهما طوق نجاة أُلقي إليها في بحرٍ هائج.
ازداد ارتجاف جسدها.
_عارف نفسي في إيه؟
قالتها بصوتٍ مختنق بالبكاء.
اقترب منها خطوة، وكأن قلبه فهم قبل أن يسمع.
_في إيه؟
هزت رأسها، ودموعها تتساقط بلا توقف.
_نفسي…
توقفت الكلمات في حلقها.
وضعت يدها على صدرها، ثم قالت بصعوبة:
_نفسي أعيط في حضنك… وأحس إن مفيش حاجة وحشة هتحصل.
أغمض عبدالرحمن عينيه للحظة، وكأنه يقاوم رغبته في أن يضمها إليه رغم كل ما حولهما.
ثم قال بصوتٍ خافت:
_وأنا نفسي أضمك أوي…
فتح عينيه ونظر إليها بحنان.
_بس خلاص… هانت. مامتك هتقوم بالسلامة، وإحنا هنعدي كل ده.
انفجرت في البكاء.
_يارب يا عبدالرحمن… يارب.
وقبل أن يضيف كلمة…
جاء صوت خالد من خلفهما، مشحونًا بالغضب:
_ده إيه الفجر اللي فيكم ده؟! خلاص مفيش شوية دم؟!
التفت عبدالرحمن إليه ببطء.
_إيه اللي بتقوله ده يا خالد؟
اقترب خالد منه بخطوات غاضبة، ولم يمنحه فرصة أخرى للكلام.
قبض يده، وسدد لكمة مفاجئة إلى وجهه.
ترنح عبدالرحمن خطوة إلى الخلف.
تجمد في مكانه.. لم يستوعب ما حدث.
رفع يده ببطء إلى موضع الضربة، ثم نظر إلى خالد في ذهول، وكأن عقله يرفض تصديق أن الرجل الذي أمامه ضربه دون مقدمات.
اقترب خالد منه، وأشار إليه بتهديد:
_لو شوفتك صدفة قدامي… هموتك.
ظل عبدالرحمن ثابتًا مكانه للحظات، وعيناه لا تفارقان خالد.
لم يكن غضبه من الألم…
بل من الإهانة، ومن الظلم الذي وقع عليه فجأة دون أن يفهم سببه.
ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه حاد:
_الكلام ده لمين يا خالد؟
_امشي من هنا يا عبدالرحمن.
ثبت عبدالرحمن عينيه عليه.
_أنا بسألك… الكلام ده لمين؟
لكن خالد لم يجبه، واكتفى بنظراتٍ مشتعلة بالغضب.
في تلك اللحظة، وصل مروان مسرعًا، فانتقلت عيناه بين خالد وعبدالرحمن وخديجة.
_خالد… إيه اللي حصل لطنط فاتن؟
ثم اقترب من خديجة
_طمنيني والدتك كويسة، متقلقيش عليها هنقلها احسن مستشفى