— مهما كان حبك ليا يا عبدالرحمن، ده ميديكش الحق إنك تخيرني بينك وبين أي حاجة… أنا مش عايزة أحبك وأنا حاسة إني محاصرة. وصلت كلمتها إليه، فصمت لحظة قبل أن يقول بنبرة مختلفة تمامًا، حاول بها أن يبدد ثقل الحديث: — تمام يا ديجة… أنا دلوقتي زعلان، ولازم تصالحيني. خرجت منها ابتسامة رغماً عنها، رغم محاولتها إخفاءها. — هفكر… وأشوف هقدر أسامحك ولا لأ. شهق باعتراض مصطنع: — نعم يا أختي؟! بقولك أنا اللي زعلان! ضحكت بخفوت، وقد قلب الأدوار عليها بمهارة: — معلش… تعيش وتاخد غيرها.
انطلقت ضحكته من الطرف الآخر، فضحكت هي أيضًا، للحظات بدت فيها مشاكلهما الصغيرة أبعد ما تكون عن قلبيهما. ثم هدأ صوته وسألها: — احكيلي عملتي إيه في المقابلة؟ بدأت تقص عليه ما حدث، تحكي له تفاصيل المقابلة وما دار فيها، وهو يستمع إليها باهتمام، يسألها من وقت لآخر، حتى شعرت لأول مرة منذ ساعات أن صدـ,,ـــرها قد خفّ من ثقل الغضب اتجاه لكن فجأة…انفتح باب الغرفة. التفتت خديجة، فتجمدت ابتسامتها في مكانها. حين وجدت والدتها تقف عند الباب بوجه شاحب، وملامحها مضطربة، وكأن شيئًا انتزع الدم من وجهها دفعة واحدة. نهضت خديجة بفزع: — ماما… مالك؟
اقتربت والدتها منها وجلست على حافة الفراش، تتنفس بصعوبة. — هاتيلي دوايا بسرعة يا خديجة… تغير وجه خديجة في لحظة. — حاضر يا ماما، حاضر. وجاءها صوت عبدالرحمن من الهاتف: — خديجة؟ في إيه؟ لم تجبه. ألقت الهاتف جانبًا، ثم أسرعت نحو غرفة والدتها، لتجد جيهان هناك، واقفة في حالة ارتباك لم تهتم خديجة بوجودها. اندفعت نحو الأدوية، وأخذت ما طلبته والدتها، ثم عادت إليها مسرعة. — ماما… حبيبتي، اهو الدوا. أشارت والدتها إلى الدواء، لكن الكلمات خانتها. وضعت خديجة الحبة تحت لسانها، ثم رفعت الهاتف بسرعة واتصلت بأخيها. ولكن لا رد.
ارتجفت أصابعها وهي تعاود الاتصال، ثم ألقت الهاتف على الفراش واقتربت من والدتها أكثر، تحتضن وجهها بين كفيها. — ماما… اقتربت منها أكثر، وقد بدأ الخوف يلتهم ملامحها: — ماما، افتحي عيونك… ارتفع صوتها مرتجفًا: — مامااا! ثم التفتت إلى جيهان تصرخ: — يا جيهان! يا جيهان! في الخارج، كانت جيهان تدور في المكان بقلق، وجسدها يرتجف، تحاول أن تبدو متماسكة بينما قلبها يضــ,,ـــــرب صدـ,,ـــرها بعنــ,,ـــــف. جلست متأففة، وهمست في ضيق: — يا ترى الست الكركوبة دي سمعتني… لكنها توقفت حين وصل إلى مسامعها صوت خديجة.
نهضت دفعة واحدة، وانتفض جسدها كله، وقد اتسعت عيناها بذعر، تخشى أن تكون فاتن قد أخبرت خديجة بكل شيء. خطت للخارج بحذر، وجدت خديجة تحتضن رأس والدتها وتبكي، ثم اتجهت الى هاتفها، سحبته سريعا، ورفعته — عبدالرحمن… الحقني، ماما قاطعة النفس! لم تمر سوى دقائق معدودة حتى كان عبدالرحمن بمنزلها، بصحبته الطبيب. انحنى الطبيب يفحص والدتها بعناية، ثم كتب لها بعض الأدوية، قبل أن يرفع عينيه إلى خديجة التي كانت تقف أمامه بوجهٍ شاحب، تنتظر منه كلمة تطمئن قلبها. — لحد الصبح، لو فضلت على نفس الحال، لازم تتحجز في المستشفى. كانت الجملة كفيلة بأن تهدم ما تبقى من تماسكها.
نظرت خديجة إلى والدتها، تحاول أن تستوعب كيف تحولت حالتها في ساعات قليلة من امرأة تتحدث معها إلى جسد ساكن لا يجيبها. جلست إلى جوارها، أمسكت كفها البارد بين يديها، وأغرقتها بالقبلات، بينما انهمرت دموعها بلا توقف. — حبيبتي يا ماما… ردي عليا. ارتجف صوتها، وانحنت تقبّل يدها مرة أخرى. — أنا همــ,,ـــــوت من الخوف عليكي… وضعت رأسها بجوار رأس والدتها، ثم أحاطتها بذراعيها، تبكي بحــ,,ـــــرقة كطفلة فقدت آخر ما يؤمنها في هذا العالم. — ماما… ردي عليا، لو سمحتي… قوليلي إنك سامعاني. توقف عبد الرحمــــــــن عند العتبة. لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة.
كان المشهد أمامه قاسي لما تشعر به حبيبته؛ خديجة التي لطالما حاولت أن تبدو قوية، جالسة بجوار والدتها بهذا الانهيار، ودموعها تغرق وجهها، ويداها تتشبثان بها ابتلع غصته واقترب منها. — خديجة… رفعت رأسها نحوه، ومسحت دموعها سريعًا، ثم عادت بعينيها إلى والدتها. — معرفش إيه اللي حصل… كانت كويسة. جلس قريبًا منها، وقال محاولًا أن يثبت صوته: — متعيطيش… إن شاء الله هتبقى كويسة. هزت رأسها، وارتفعت شهقاتها — معنديش غيرها يا عبدالرحمن… توقفت أنفاسه. اقترب منها خطوة، وقد غاب عنه كل شيء سوى دموعها. — بطلي عياط… بتوجعي قلبي. أغمضت عينيها، وانسابت دموعها على وجنتيها، وهمست بانكسار:
— دي أمي يا عبدالرحمن… دي كل حياتي. همــ,,ـــــوت لو حصلها حاجة. ارتجف قلبه من عبارتها، فمال نحوها سريعًا: — اشش… أوعي تقولي كده. أنا موجود، وإن شاء الله هتقوم بالسلامة. مد يده ومسح دموعها بطرف أصابعه رفعت عينيها الباكيتين إليه. — قولي إنها هتقوم بالسلامة… طمّن قلبي. نظر إلى عينيها طويلًا، ثم قال: — خديجة، إنتِ مش طفلة… اجمدي كده. شهقت وهي تنظر إلى والدتها الغائبة عن الوعي فلم يجد أمامه سوى أن يضم رأسها إلى صدـ,,ـــره. — بس بقى… أنا هنا. مش هسيبك. ومتأكد إن مامتك هتقوم بالسلامة. وما إن شعرت بذراعيه حولها حتى انهارت أكثر.