
حبيبك… فارس أحلام رحمانك.»ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، خجولة، سرعان ما غلبتها دمعة حائرة. اثنا عشر عامًا…معقول اثنا عشر عامًا كان قلبه يحتفظ باسمها وها هو الآن يكتب لها: حبيبك. طرق الباب، ثم دلفت حنان دون انتظار. – يا ولاد بلدنا يوم الخميس… هكتب كتابي وأبقى عريس!رفعت خديجة عينيها إليها بضيق.- بطلي دوشة وتعالي ظبطيلي الحجاب. اقتربت حنان، ثم ضيقت عينيها وهي تتفحصها.- فين يا بت الروج؟ يخربيتك! عايزة بودي ياخد أول قبلة وهو يقول «أمواه» من غير ما يتعوص!لكزتها خديجة في ذراعها.
– بطلي قلة أدب ياختي!قهقهت حنان.- قلة أدب إيه يا عينيا؟ ليه؟ متجوزك ويحكي لك حكاية شهريار؟- حنان!- قلب نونة إنتِ… أكتر من الولا بودي ده. تنهدت خديجة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة.- خلصيني يا حنان… أنا عايزة الليلة تعدي. كلمني وقال إن ماسة هتيجي. جلست حنان على طرف الفراش، وألقت حقيبتها جانبًا، ثم أمسكت بمستحضرات التجميل.- مادام فيها ماسة… يبقى لازم أخليكي لؤلؤ يا بت. رفعت خديجة كفيها في استسلام.- حنان، لو سمحتي.- والله ما يحصل. لازم أخليكي لؤلؤ.- حنان!- يارب تعدميني لو منعتيني!
وبعد وقت، وقفت حنان أمامها تتأمل ما صنعته، ثم ابتسمت.- شوفي كده. رفعت خديجة عينيها إلى المرآة. توقفت أنفاسها للحظة.- معقول… أنا دي؟احتضنت حنان كتفيها من الخلف.- زي القمر يا حبيبتي. ربنا يسعدك يا رب. انطفأت الابتسامة سريعًا.- أنا والسعادة ما نعرفش بعض. نظرت حنان إلى عينيها مباشرة.- مادام فيه عبدالرحمن… فيه سعادة يا خديجة. ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة.- متعشمينيش أوي يا حنان. بعد وصول حسناء وعمر وماسة، خرجت خديجة من الغرفة برفقة حنان. نهض عبدالرحمن من مكانه فور رؤيتها. تعلقت عيناه بها. للحظة، نسي كل من حوله.
كل السنوات التي انتظرها، كل الخلافات، كل الألم… اختُصرت أمامه في امرأة تخطو نحوه باستحياء، ترتدي الفستان الذي اختاره لها بنفسه. لكنها لم تنظر إليه طويلًا. توقفت عيناها عند ماسة. فستان أحمر ناري، خصلات شقراء مصففة بعناية، وزينة كاملة جعلتها تبدو كأنها جاءت لتثبت شيئًا للجميع. تجمدت خديجة للحظة. ثم رفعت عينيها إلى عبدالرحمن. كان ينظر إليها. اقتربت ماسة بعدما أشار إليها عبدالرحمن. قال بهدوء:- ماسة… خديجة حاطة شرط إنك تكوني موافقة على الجواز. ابتسمت ماسة ابتسامة هادئة، ثم قالت:- موافقة يا خديجة. تعلقت عيناها بعبدالرحمن.- أهم حاجة عندي عبدالرحمن يبقى مبسوط… مش كده؟أومأ عبدالرحمن.
ثم أحاط كتفها بذراعه، وطبع قبلة على رأسها. اشتعل شيء في صدر خديجة.. لم تكن غيرة عابرة…كانت نارًا كاملة. نظرت إلى يده التي تحيط بكتف ماسة، وشعرت وكأنها تعلن أمام الجميع أنها ما زالت تقف في مكانها. شدت أصابعها ببعضها حتى ابيضت مفاصلها. أما عبدالرحمن، فمال نحو ماسة وهمس:- اقعدي جنب ماما. ابتعدت ماسة، بينما اتجه هو إلى خديجة. توقف أمامها.- أظن كل اللي طلبتيه نفذته. رفعت عينيها إليه ببرود موجوع.- ممكن نخلص من الليلة الزفت دي؟تصلبت ملامحه.
اقترب منها حتى أصبح صوته لا يصل إلا إليها.- كلمة كمان… وهقطع لسانك بطريقتي.نظرت إليه بغيظٍ حاولت أن تخفي خلفه ارتباك قلبها، لكنه لم يمنحها فرصة للاعتراض؛ أمسك كفها في هدوء، وسار بها نحو المأذون، جلست بجوار والدتها، ولكنه تحرك بها للجانب الاخر، جلست إلى جواره. ..وبقيت عيناها تدوران بين الوجوه من حولها بشرود، تحاول أن تستوعب ما يحدث. أحقًّا جاء هذا اليوم؟أحقًّا ستصبح زوجة الرجل الذي دق له قلبها ذات يوم، ثم ظل يدق باسمه رغم كل ما انكسر داخلها؟كان المأذون يردد كلماته، بينما كانت هي في عالم آخر تمامًا.
.. عالم لا صوت فيه سوى نبض قلبها المرتبك. التفتت إليه خلسة. وجدته ينظر إليها بسعادة لا تحتاج إلى كلمات، سعادة تنطق بها عيناه، وتفضحها ابتسامته الهادئة. ارتجف قلبها. ليتك كنت هنا منذ سنوات…هل كنت سأستطيع أن أكون زوجتك مرة أخرى، ليتك جئتني قبل أن تهشم الحياة كل شيء بداخلي؟ هل سأستطيع أن أبوح لك بما أخفيه في صدري؟أم أخشى أن تعايرني يومًا بما حدث؟ أن تنظر إليّ بعين مختلفة حين تعرف كل ما مررت به؟ابتلعت غصتها، وأخفضت عينيها. ليتك تعلم فقط ماذا أشعر الآن…ليتك تعلم أن خديجتك التي انتظرتها اثنتا عشرة سنة لم تعد كما كانت.
لم يبقَ مني إلا شظايا متناثرة… امرأة تحاول أن تجمع نفسها كل يوم، وتخشى أن تضع قلبها بين يدي رجلٍ مرة أخرى، ثم يأتي القدر لينتزع منها الأمان. ارتعشت أنفاسها. وأغمضت عينيها، بينما كانت كلمات المأذون تتردد في أذنيها كأنها تأتي من مكان بعيد. انفلتت من بين شفتيها شهقة مكتومة، وانحدرت دمعة وحيدة على وجنتها. التقط عبدالرحمن دمعتها بطرف عينيه. توقفت السعادة في ملامحه للحظة. أبعد وجهه عنها، وكأن النظر إليها وهي تبكي يؤلمه أكثر مما يحتمل، وانقبض قلبه بقبضة قاسية.
هل لم تعد تريدني؟هل كنت مخطئًا حين صدقت أن قلبها ما زال لي؟للحظة، تسللت إليه كل مخاوف السنوات الماضية ، لكنه أجبر نفسه على الصمت. فاليوم ليس يوم خوف…ولا يوم أسئلة. عاد يصغي إلى المأذون، وكأن الكلمات التي تُقال أمامه هي آخر خيط يتمسك به حتى لا ينهار.