
تغيرت ملامحه للحظة، كأن السؤال أصاب موضعًا حاول طويلًا دفــ,,ـــــنه. لكنه أخفى ارتباكه سريعًا، وقال بحسم:_بكرة ألاقيكي بتقولي لي على حل… ومش عايز غير خديجة. وارتاحي، أنا بحب مراتي، يعني خديجة آخر همي. ثم أشار إلى الباب:_يلا ارجعي بيتك، شكلك اتأخرتي. اتجهت حنان إلى حقيبتها وحملتها، لكنها قبل أن تخرج توقفت، ونظرت إلى ظهره طويلًا:_خديجة اتعذبت كتير يا عبدالرحمن… مايبقاش أنتَ والزمن عليها. ثم هزت رأسها بأسى:ــ ومعنديش حل. استدارت لتغادر، فجاءها صوته من خلفها، باردًا بصورة أوجعتها:_يبقى هعذبها أكتر يا حنان.
.. وأخليها تكره اليوم اللي حبتني فيه… ده لو كانت حبتني أصلًا. ثم أضاف، دون أن يلتفت:_هاتيها بالحسنى. خرجت حنان من المكتب، وقلبها مثقل بالحيرة، وهي تلعن حظ صديقتها الذي جمعها بالرجل الذي أحبته يومًا… ثم جعلها تدفع ثمن ذلك الحب وحدها.❈-❈-❈
مساءً… كانت خديجة تجلس إلى جوار حنان فوق سطح المنزل، وقد فرغت لتوها من كل ما يتعلق بوالدتها. جلست ساكنة كحال الليل، وكأن قلبها وحده يعيش ضجيجًا لا يهدأ. قصّت لحنان ما حدث بالتفصيل. ردت عليها:_اقبلي يا خديجة، علشان والدتك._معقول يا حنان… عايزاني أربي بنت حبيبي؟
خفضت عينيها إلى الأرض، وانسابت منها زفرة طويلة:_أنا هبقى إيه بالنسبة لها؟ كل يوم أصحى ألاقي قدامي بنته… وأفتكر إنه اختار واحدة غيري، واتجوزها، وبقى عنده بيت وحياة، وأنا…توقفت، وعجزت الكلمات عن إكمال الجملة. مدت حنان يدها وربتت على كتفها:_لازم تتخطيه يا خديجة، للأسف. أنا عارفة إن الموضوع صعب، ويمكن يكون أقسى حاجة ممكن تطلبي منك تعمليها… بس أنتِ محتاجة الشغل. وبعدين أنتِ اللي سبتيه. ثم نظرت إليها بجدية:_وخلي بالك، أوعي تحسسيه إنك لسه بتحبيه، علشان ما يستغلش ضعفك. ارتعشت شفتا خديجة بابتسامة موجوعة:_أعمل إيه في قلبي يا حنان؟
رفعت عينيها إليها، وقد امتلأتا بالدموع:_قلبي مش شايف راجل غيره… بعد السنين دي كلها، وفي الآخر يرجع لي بمراته وبنته. صمتت حنان لحظة، ثم قالت بحنان:_اعذريه يا خديجة… متنكريش إنه كان بيحبك. ضحكت خديجة ضحكة اختلطت بالبكاء:_آه… الحب بان لما راح اتجوز على طول. _خديجة، هو كان المفروض يعمل إيه بعد اللي حصل؟نظرت إليها خديجة بعينين دامعتين:_لو أنا مكانه، مكنتش نسيت بالسرعة دي. ثم ابتلعت غصتها وقالت:_وأنتِ شاهدة… بقالي سنين مطلقة، مفكرتش أرتبط ليه؟قالت حنان محاولةً تخفيف ثقل الحديث:
_آه صحيح… هو مروان الأهبل ده كان بيقول لك رجعتك إزاي؟
مسحت خديجة دموعها بطرف أصابعها:_سيبك منه… أنا كنت عايزة أشوف آخره إيه._يعني كنتِ مصدقاه؟تنهدت، وذهبت بعينيها إلى المنزل المقابل:_كنت هصدقه لو جيهان ما دخلتش في الموضوع… حسيت إنها بتلعب كعادتها. صمتت قليلًا، ثم قالت حنان:_بس عبدالرحمن عجبني… ما كنتش متخيلة إنه يدخل. ابتسمت خديجة بألم:_لأنه عبدالرحمن… طول عمره كده. ولو أي حد تاني كان مكاني، كان هيعمل نفس اللي عمله. نظرت إليها حنان بحيرة:_طيب ما قولتيش هتعملي إيه؟ هتتنقلي في مكان بعيد؟ أنتِ ناسية والدتك؟ لازم تكوني قريبة منها. أطرقت خديجة برأسها:_مش عارفة… حقيقي مش عارفة.
اقتربت حنان منها، وأمسكت يدها:_خلاص يا خديجة… اسمعي مني ووافقي. نظرت إليها خديجة بعينين مرتجفتين._علشان والدتك. علشان علاجها. علشان حياتك. ثم قالت بحنانٍ موجع:_ويمكن ربنا حطك قدام الاختبار ده علشان تتعلمي تعيشي من غيره… حتى لو قلبك لسه مش عارف يعمل كده. انحدرت دموع خديجة بصمت. رفعت عينيها إلى منزل عبدالرحمن من بعيد، وظلت تحدق فيه طويلًا، وكأن قلبها يسأل عن رجلٍ كان يومًا وطنه… وأصبح الآن أكثر الأماكن التي تؤلمه. همست:
_إزاي أرمي الماضي يا حنان… وهو لسه عايش جوايا؟
ضغطت حنان على يدها، وقالت: _زي ما كل إنسان بيتعلم يعيش بالحاجة اللي كان فاكر إنه مستحيل يعيش من غيرها… يوم ورا يوم. أغمضت خديجة عينيها، وانحدرت دمعة وحيدة على خدها.❈-❈-❈
مضى أسبوع، انقطعت خلاله خديجة عن العمل، بعدما استلم أحد المهندسين قسم الأطفال الذي كانت هي المسؤولة الأولى عنه، وتم نقلها إلى أحد فروع المؤسسة، ولكن في مكان بعيد.
حاولت التأقلم، لكنها كانت تعود في وقت متأخر، وتترك والدتها وحدها. ومع سفر حنان المفاجئ، توقفت عن العمل وبدأت تبحث عن وظيفة في بعض المدارس الخاصة، لكنها لم تجد، لعدم إكمالها الأسس التربوية التي تؤهلها للعمل في تلك المدارس. جلست مساءً في شرفة غرفتها تبكي. انتهى اليوم، وانتهى معه جزء من علاج والدتها، فماذا ستفعل؟ وكيف ستتحمل تلك المسؤولية؟ هل تذهب إلى أخيها؟ أم تذهب إلى من تسبب في كل ذلك؟استمعت إلى رنين هاتفها._أيوة يا حنان._معلش يا خديجة، قدامي أسبوع كمان. أخت جوزي فرحها لسه الأسبوع الجاي._ولا يهمك حبيبتي.❈-❈-❈
مضى أسبوع آخر…ذهبت خديجة لمحاولة نقلها إلى مكان أقرب، ودلفت إلى مكتب المديرة، ظنًا منها أنها ستساعدها. لكن المديرة قالت لها:_للأسف يا خديجة، الباشمهندس عبدالرحمن هو المسؤول دلوقتي. خرجت من عند المديرة واتجهت إليه. ذهبت بكبريائها، تظن أنها ستنتصر عليه، رغم قلبها الذي كان يحاربها في كل خطوة. _بشمهندس، فيه واحدة برة عايزة تقابل حضرتك._مش فاضي يا أسماء، ابعتي لي الأستاذ فارس. بعد دقيقتين عادت أسماء:_الأستاذة اللي برة مش راضية تمشي، مصرة تقابلك. تأفف بضجر، وتناول فنجان قهوته، ثم نظر إلى ساعته._خليها تدخل، قولي لها خمس دقايق بس.