منوعات

الثامن والتاسع طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

اتجه إلى النافذة الزجاجية، ينظر إلى البحر، وفنجان قهوته بين يده. استمع إلى خطوات تقترب من داخل مكتبه، فاستدار وهو يقول:_عايزة…توقف عن الحديث حين رآها أمامه. لحظات مرت أمامه كمشاهد من حياته كلها، وكأن شاشة سينمائية عُرضت فجأة أمام عينيه. ارتبك للحظات، وضاقت أنفاسه، حتى شعر بأن ساقيه لم تعودا تحملانه، فاتجه إلى الكرسي وجلس، محاولًا تهدئة نبضه._آسفة… جيت من غير موعد. اقتربت ووضعت ورقة أمامه، ثم قالت:_قالوا لي إن حضرتك لازم توافق عليها. نظر إلى الورقة بعينين ضائعتين، وكأنه لا يرى حروفها، ولا حتى يدرك أنها أمامه.

_لو سمحت يا بشمهندس، امضي الورقة. ضغط على الجرس._نعم يا بشمهندس؟أشار إلى خديجة:_شوفي المدام عايزة إيه._اتفضلي معايا يا مدام. انحنت خديجة وسحبت الورقة._شكرًا… وآسفة تاني مرة. قالتها وخرجت تجر خيبتها، كعادة خيباتها الأخرى، ولكن هذه المرة لم تبكِ ولم تضعف. هل جفت دموعها؟ أم أن قلبها خوى من النبض؟في الداخل، أزاح كل ما فوق مكتبه بقوة، حتى تساقط ما عليه. وااااه…كادت نظراتها أن تشق قلبه نصفين. تلك النظرات… وتلك العيون التي مات فيها كل شيء. ماذا يفعل حتى تصبح بالقرب منه؟يلعن قلبه الذي ما زال يمــ,,ـــــوت بها عشــ,,ـــــقًا.

❈-❈-❈
أسبوع آخر مضى… ورغم نقلها إلى مكان أقرب، فإنه كان يبعد عن منزلها عدة ساعات. ذات مساء، جلست كعادتها، تحاول أن تعيد ترتيب أولوياتها. مسحت على وجهها، ثم زفرت وهي تنظر أمامها بشرود. لحظة عابرة… وقعت عيناها على سيارته التي توقفت أمام منزل والدته، ثم ترجلت زوجته، وبعدها هو، يحمل طفلته. تابعته بعينيها. رجفة اعتصرت فؤادها وهي تراه يحاوط خصرها بذراعه، ويدلف بها إلى الداخل. توقف عبدالرحمن حين استمع إلى صوت صديقه، فأشار إلى زوجته بالدخول، ثم التفت إلى صديقه ودون قصد منه حتى وقعت عيناه على خديجة الجالسة.

تقابلت الأعين. لكنها سحبت عينيها سريعًا، واعتدلت في جلستها، ثم أدارت المقعد في الجهة الأخرى. نظر إلى ظهرها بصمت مؤلم. اقترب صديقه منه:_عايزك في موضوع مهم. انتظر عبدالرحمن حديثه._خديجة بتدور على شغل، وطلبت مني أشوف لها في الشركة عندي، بس الصراحة ما لقيتش. فقلت أسألك لو تعرف مكان. الموضوع ده مهم أوي يا عبدالرحمن._لا، معرفش… أنتَ عارف بقالي فترة بعيد عن البلد. أومأ له صديقه، واستدار ليغادر بعدما شكره. لكن عبدالرحمن أوقفه:_وخديجة تطلب منك ليه؟ابتسم صديقه واقترب منه:_الصراحة يا عبده، مش هخبي عليك. عايز أطلب إيدها.

عرفت من أختي إنها عايزة شغل، وأنا قلت لها هشوف لك… يمكن لما أساعدها تحصل كيميا بينا. رفع عبدالرحمن نظره إلى خديجة الجالسة._كيميا…تمتم بها بتهكم، ثم ربت على كتفه:_نصيحة مني، شوف حد تاني، لأنها مرتبطة، وهتتكسف تقول لحد. _يعني إيه؟استدار عبدالرحمن وهو يودعه دون حديث، لكن قلبه كان يغلي من الغيرة.❈-❈-❈
صعد إلى الطابق العلوي، فاقتربت منه ماسة._عبدالرحمن، أنا مبحبش أقعد هنا. تعالى نرجع تاني._ماسة، دي أمي. حقها أجي لها حتى لو يوم واحد. تراجعت إلى المقعد، وأخذت تفرك وجهها بغضب.

_مصر كلها مش عجباني، مقصدش هنا خالص. خرجت والدته:_حبيبي، العشا جاهز. أمسك عبدالرحمن كف ماسة وساعدها على النهوض._قومي نتعشى، وبعد كده نتكلم._ماليش نفس. نظرت إلى حسناء:_آسفة، أكلك تقيل على معدتي. أشار بعينه إلى والدته ألا تحزن، فاقتربت منها وربتت على كتفها:_طب قولي لي عايزة إيه وأنا أجيبه لك يا بنتي. _عايزة نرجع… خلي عبدالرحمن يرجعنا._ماما، خلي بالك من سيليا. هساعد ماسة ترتاح شوية، هي ما نامتش طول اليوم. التفتت تنظر إليه:_عبدالرحمن، لو سمحت، أنا مش قادرة أتأقلم هنا._ماسة، إحنا قولنا إيه؟ لازم البنت تتربى هنا.

اتأقلم هنا _ماسة احنا قولنا ايه، لازم البنت تتربى هنا تأففت ودلفت للداخل_مهما اقول مش هتسمع مني، انا مش قاعدة هنا اقتربت والدته بعد دلوفها _خلاص حبيبي، لو مش عايزة تيجي هنا خلاص، خليها في بيتها مسح وجهه بكفٍّ مرتجفة، ثم أطلق زفرةً مثقلة بالألم_أنا تعبت يا ماما… مبقتش أتحمل ضغطها عليا. ربّتت والدته على كتفه بحنان، محاولةً أن تخفف عنه:_معلش يا حبيبي… علشان البنت الصغيرة، استحمل شوية. وقبل أن تكمل حديثها، شقَّ رنين الهاتف حديثهمتجمّد جسده في اللحظة ذاتها.

تلك النغمة…نغمتها هي. النغمة التي خصّصها لها منذ سنوات، والتي ظلّت كما هي رغم تغيّر كل شيء من حوله. ورغم أنه أصبح يملك من المال ما يكفي ليشتري أفخم الهواتف، لم يملك قلبه الجرأة على تغيير ذلك الهاتف الذي ما زالت رسائلها القديمة تسكنه، كأنها جزءٌ من عمره لا يستطيع دفــ,,ـــــنه. أخرجه من جيبه بيدٍ مرتعشة. كانت والدته تراقبه باستغراب._مالك؟رفع عينيه إليها سريعًا، يخفي ارتباكه خلف ملامح جامدة:_عايز قهوة يا ماما. أومأت دون سؤال، ثم وضعت الطفلة الغافية على الفراش بحنان، ودلفت إلى الداخل. أما هو، فما إن ابتعدت حتى نهض كمن تحرّكه قوة لا يملك السيطرة عليها.

قادته قدماه إلى الشرفة. أغلق الباب خلفه، ثم نظر إلى شاشة الهاتف لحظات طويلة، وكأن مجرد رؤية اسمها قادر على إعادة السنوات كلها دفعةً واحدة إلى صدـ,,ـــره. ضغط زر الإجابة. ولم تمر سوى ثانية واحدة حتى ارتعش جسده كله. وصل إليه صوتها. ..ذلك الصوت الذي حفظه قلبه قبل أذنيه، لكنه هذه المرة لم يحمل له دفء السنوات الماضية، بل حمل وجعًا كان أقسى من أي عتاب._سلبت شغلي علشان أكون تحت رحمتك… افتكر إنك أجبرتني على حاجة أنا مش حباها. أغمض عينيه بقوة.

انت في الصفحة 5 من 28 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى