منوعات

الثامن والتاسع طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

كل كلمة كانت تصيبه في مكانٍ يعرف جيدًا أنه ما زال حيًّا بداخله. يا الله…ماذا فعل؟وكيف استطاع أن يحوّل حبًا كان يومًا أجمل ما امتلكه إلى قيدٍ تراه هي سجــ,,ـــــنًا؟أي سحرٍ ألقته تلك المرأة على قلبه حتى ظل عاجزًا عن نسيانها، رغم كل ما فعله كي يقنع نفسه أنه استطاع؟ تابعت بصوتٍ مخنوق:_موافقة أشتغل عندك وأربي بنتك… ولو عايز أخدمك أنت ومراتك، معنديش مانع. انقبــ,,ـــــض قلبه بعنــ,,ـــــف.. زوجتك…الكلمة وحدها كانت كفيلة بأن تخنق أنفاسه._خديجة…خرج اسمها من بين شفتيه همسًا، دون أن يشعر.

صمتت للحظة، ثم سمع شهقتها المختنقة. وبعدها جاء صوت بكائها. ذلك البكاء الذي كان يومًا يركض إليه ليوقفه، صار الآن هو السبب فيه._أنا بكرهك أوي يا عبدالرحمن…ارتجف جفناه._سمعتني؟ بكرهك… وبكره اليوم اللي قلبي حبك فيه. توقّف كل شيء داخله. لم يعد يسمع شيئًا سوى دقات قلبه، وهي تتهاوى واحدةً تلو الأخرى تحت وقع كلماتها. ثم أغلق الهاتف. ليس لأنه لا يريد سماعها…بل لأنه لم يعد يحتمل. كلماتها التي كانت كطلقاتٍ متتالية، وكل واحدة منها تستقر في موضعٍ مختلف من صدـ,,ـــره.

ظل واقفًا للحظات، والهاتف بين أصابعه، ينظر إليه بجمود ، ومسح عينيه بعنــ,,ـــــف، ثم عاد إلى الداخل بخطواتٍ ثقيلة. جلس في مكانه، لكن عينيه لم تستقرا على شيء. ظلت معلقة نحو غرفتها. بعد دقائق، عادت والدته تحمل فنجان القهوة، ووضعته أمامه وهي تقول:_ما اتعشتش يا حبيبي؟ عمر كلمني وجاي في الطريق. أومأ دون أن ينطق.❈-❈-❈
في اليوم التالي…ذهبت إلى منزله، بعدما أرسل إليها سيارة تنقلها إلى المكان. توقفت، وسحبت نفسًا عميقًا وهي تترجل من السيارة، ثم تحركت متجهة إلى الداخل بثقة، وبغرور الأنثى الذي أرادت أن تستعيده.

بدلة نسائية بيضاء، وحجاب باللون البينك، مع لمسة تجميلية خفيفة. تريد أن تعلمه أنه لم يعد لها سوى ماضٍ. فتحت الخادمة الباب، وكانت تتحدث بلهجة مختلفة. دلفت خديجة إلى الداخل متهكمة:_خدامة أجنبية… ما شاء الله. أشارت الخادمة إليها:_البشمهندس في مكتبه. قالتها الخادمة بلكنتها. دلفت خديجة إلى داخل المكتب. كان منكبًا على جهازه، أو هكذا كان يتصنع الانشغال. اقتربت منه، ملقية السلام. رفع رأسه وهزه بصمت. انسلت عيناه على هيئتها، حتى توقفتا عند أحمر الشفاه. قطب جبينه، يحدث نفسه:_روج… روج يا خديجة!نصب عوده، وتوقف عند كلمات الخادمة:_أستاذ هيثم يريد مقابلتك.

_خليه يدخل. ثم أشار إلى خديجة:_ارتاحي خمس دقايق. ثم التفت إلى الخادمة:_هاتي سيليا وخلي مدام ماسة تنزل. أومأت الخادمة وخرجت، بينما دلف هيثم._آسف يا عبدالرحمن، لازم تمضي الورق ده ضروري. بلغوني إنك مش هتنزل المعرض النهاردة. أومأ له وسحب الأوراق. بينما التفت هيثم إلى خديجة الجالسة:_معقول؟ بتعملي إيه هنا؟ ابتسمت له وقالت:_شغالة بيبي سيتر. أنتَ عامل إيه؟ وخلود عاملة إيه؟تراجع إلى جوارها:_كويسة أوي. هتتجوز الخميس الجاي. كويس إنك هنا علشان أدعيكي._والله هتتجوز؟ سلملي عليها. استند على طرف المقعد الآخر:_من زمان ما اتقابلناش… اتغيرتي أوي.

_للأحسن ولا الأوحش؟_لا يا خديجة، طول عمرك للأحسن. ابتسمت له:_وأنتَ طول عمرك ذوق يا هيثم._لا والله، بقول الحقيقة. ألقى عبدالرحمن الأوراق بغضب، حتى تناثرت على الأرضية._شغلك يا هيثم… بلاش دلع علشان يبقى ليك مكانة تستاهلها. قالها وهو يغرس عينيه في عيني خديجة. لم ترد عليه. انحنى هيثم يجمع الأوراق:_حاضر يا عبدالرحمن. نهض وهو ينظر إلى خديجة:_هستناكي يوم الخميس، في فرح خلود._إن شاء الله. قالتها مبتسمة. خرج دون إضافة. توقف عبدالرحمن سريعًا بعد خروجه، ثم قال:_المكان ده مكان شغل… احترميه. لم ترد عليه.

ثم دلفت ماسة إلى المكتب._بعتلي؟أشار عبدالرحمن إلى خديجة:_اقعدي مع المدام، وشوفي محتاجة منها إيه علشان سيليا. نظرت خديجة إلى ماسة بجهل. اقتربت منها ماسة:_أنا ماسة، مرات عبدالرحمن. ثم اتجهت إلى عبدالرحمن:_دي النانا. توقفت خديجة أمامها، محاولة أن تسيطر على ارتجاف جسدها، ونظرت إليها. _لا… ما اسمهاش نانا. اسمها مربية. لما الأب والأم يبقوا فاشلين أو مش فاضيين يربوا ولادهم. اتجهت ماسة إليه:_هي دي اللي هتربي البنت؟ دي مربيات مصر اللي مفيش منهم؟أشار إليها بالخروج:_سيبيني أتفاهم معاها._مستحيل… دي عايزة اللي يربيها. ابتسمت خديجة بسماجة، وانحنت تحمل حقيبتها:_كويس أوي.

وأنا ومدامتك مش متفاهمين. شوف حد تاني يتفاهم معاها. اقتربت من ماسة ونظرت إليها بتمعن:_عندي اقتراح أحسن… بطلي تهتمي بالمكياج الأوفر اللي بياخد ساعات ده، وربي أنتِ بنتك. التفتت إلى عبدالرحمن الذي كبح ضحكته بصعوبة:_شارك المدام يا أخويا، وربوا بنتكوا. أظن كده العرض ملغي… وأنتِ اللي لغيتيه._ماسة، سيبيني مع مدام خديجة شوية. رمقته بنظرة مستاءة، ثم استدارت قائلة:_عايز يربي البنت في جو الحارات ده؟ مستحيل ده يحصل. اقترب عبدالرحمن من خديجة، التي ضحكت ولا تعلم لماذا._أنا بقول تاخد مدامتك وترجعوا مكان ما جيتوا.

شغل عندك مش هشتغل، سمعتني؟_ليه يا خديجة؟_أستاذة خديجة يا بشمهندس. ما ترفعش الألقاب. أنتَ قولت العرض وأنا رفضته. قالتها وحملت حقيبتها متجهة إلى الخارج. توقفت قبل وصولها إلى الباب حين قال:_إيه؟ ناوية تشوفي حد يدفع في الجواز أكتر؟ أنا مستعد. التفتت إليه سريعًا، ترمقه بنظرة لو كانت قادرة على .ه ل.ته في الحال، وقالت:_أنا رخيصة أوي كده يا عبدالرحمن؟رفع عينيه المتألمتين إلى دموعها:_كنتِ أغلى من حياتي… بس بعتي الغالي بالرخيص. أزالت دموعها بغضب:_فين أوضة البنت؟

انت في الصفحة 6 من 28 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى