“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك”
ـــــمقدمة الفصــــــــــــل الجديـــــــــد 🔥🔥🔥
لم يكن أحد يعلم أن بعض الأسرار لا تموت… بل تنتظر اللحظة المناسبة لتعود، أكثر قسوةً من ذي قبل.سنواتٌ مضت، ظنّ الجميع خلالها أن الماضي دُفن إلى الأبد، وأن الوجوه التي ابتسمت يومًا لم تُخفِ خلفها سوى البراءة. لكن مع أول خيطٍ من الحقيقة، بدأت الأقنعة تتساقط، وبدأت الحكايات القديمة تخرج من عتمتها واحدةً تلو الأخرى.وفي خضمّ الفوضى، ظلّ الحب قائمًا… حبٌّ وُلد قبل أن تبدأ الأسرار بالانكشاف، ونما رغم كل ما كان يفصل بينهما، حتى أصبح الشيء الوحيد الذي لم يستطيعا إنكاره.
ومع كل حقيقة تظهر، كان سؤالٌ واحد يزداد غموضًا:
من الذي كان يكذب طوال هذا الوقت… ومن الذي كان يخشى أن تُكشف الحقيقة؟لقد بدأت الأسرار تنكشف… لكن لا أحد مستعدٌّ لما ينتظره خلف آخر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدلفت خديجة إلى الغرفة، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى انهار كل ما كانت تتشبث به من تماسك. كان قلبها يبكي دمًا… لا من الألم وحده، بل من الخذلان. أهذا هو الحب الذي انتظرته طويلًا؟أهذا هو الرجل الذي أقسم يومًا أن يكون أمانها، وأن يحميها من كل ما يؤلمها؟
لماذا عاملها بهذه القسوة؟ لماذا لم يمنحها قليلًا من الوقت؟ لماذا لم يفهم أن هناك أشياء في جسدها لم تتعلم يومًا كيف تتقبلها، فكيف لها أن تسمح له برؤيتها بهذه السهولة؟ارتجف جسدها بعنف، وشعرت بالدوار يلف رأسها لمجرد تخيلها أن يقترب منها، وأن تقع عيناه على ما قضت سنوات تخفيه عن الجميع.
منذ زواجهما، كانت تختار ثيابها بعناية، تخفي تشوه جسدها وكأنها تخفي عارًا لا ذنب لها فيه… تخفي عنه اي اثر، حتى حاولت علاج نفسها، ولكن كيف للجسد ان يخفي الامه ومازالت الروح تأن
أغمضت عينيها بقوة، وضمت ذراعيها إلى جسدها، كأنها تستطيع بذلك أن تحجب نفسها عن اعينه، لا تريد ان يراها بتلك الحالةهمست بصوت مخنوق:_ليه يا عبدالرحمن.
.. ليه استعجلت عليّا؟هزت رأسها بعجز، ثم خانتها ساقاها، فهوت على ركبتيها فوق الأرض، ووضعت كفيها على فمها تكتم شهقاتها المتكسرة. لم تكن تخشى أن يكره شكلها فقط…كانت تخشى أن ترى في عينيه نظرةً واحدة تؤكد لها أن المرأة التي أحبها لم تعد كما تخيلها. في الخارج، جلس عبدالرحمن على الفراش يحدق في الباب المغلق بصمت ثقيل. كان هدوؤه مخيفًا، بينما في داخله عاصفة لا تهدأ. عاد صدى كلماته يصفعه مرة تلو الأخرى، وكأن عقله يعاقبه على كل حرف نطق به. ماذا فعل بها؟الرجل الذي وعدها بالحماية هو نفسه من جعلها ترتجف خوفًا منه.
مسح وجهه بعنف، حتى احمرت بشرته، ثم نهض فجأة.وصورة أخرى اقتحمت رأسه دون رحمة…رجلٌ آخر سبق أن اقترب منها، لمسها، عرف تفاصيلها، رجل امتلكها قبله، وهو الذي سكنها في قلبه لسنوات.. ارتفعت انفاسه، اشتعلت الغيرة في صدره كالنار التي تؤدي به الى الجحيم قبض يده حتى ابيضت مفاصله، وأخذ نفسًا عميقًا، لكن الغضب لم يهدأ.
لم يكن غاضبًا منها…كان غاضبًا من فكرة أن شيئًا يخصها، حتى ألمها، كان قد عرفه غيره قبله. تقدم نحو الباب بخطوات مترددة، ثم توقف أمامه.. رفع يده، وكاد يطرق. لكنه تراجع. أراد أن يقتحم الباب، اراد أن يعاقبه على مايشعر به الان، بل يعاقبها على ماتفوهت به، لماذا لم تريد ان يقترب منها، وهي تعلم انه يموت بها عشقًا، عقله يقوده للجنون، وقلبه يصرخ بألم كاد يفتك ضلوعه
أسند جبهته إلى الباب، بعدما فقد السيطرة، هو ليس بقديس او نبي حتى يصمد امامها وهو يغرق ببحور عشقها، أغمض عينيه، وداخله فقد جميع اسلحة الصبر، وقرر انه لن يتراجع، لابد ان يعلمها كيف يكون العشق من رجلا يهواها، لابد ان يمحو اي اثر لماضي يشعره بالجحيم، طرق بخفوت على الباب وخرج صوته مبحوحًا:_خديجة. .. افتحيلي. بالداخل انتفض جسدها رعبا، بعدما استمعت الى صوته، نهضت من فوق الأرضية والتقطت ذاك الرداء الذي مازال بيدها، واتجهت للخزانة، ولكن توففت مرة اخرى على طرقه
_خديجة… افتحي الباب. جاءها صوته من خلف الباب، هادئًا على نحوٍ أخافها أكثر من الصراخ.
_خديجة، أنا عارف إنك بتحاولي تبعدي… بس خلاص، مبقاش ينفع. نزعت ثيابها ودموعها تتسابق على وجنتيها، وكل طرقة على الباب كانت تجعل قلبها يرتجف بعنف. ارتدت ذلك القميص، ثم وقفت أمام المرآة. طافت عيناها على انعكاسها طويلًا، وكأنها ترى أمامها امرأةً أنهكتها ليالٍ كاملة من الخوف والوجع. مسحت دموعها، لكنها عادت وانهمرت من جديد… وهي ترى اثار جروحها من ذاك الشيطان المتمثل بهيئة انسانشهقة ثم اخرى وهي تتذكر لياليه السوداوية… اغمضت عيناها تريد ان يصيبها الله بفقدان ذاكرة لتلك السنة المأسوية التي قضتها بين جدران منزله الذي يشبه الصقيع.
.. راحت ذاكرتها لذات ليلة دلف إلى الغرفة بعد سهره ككل ليلة، يعود اليها برائحته المقززة بالخمور ورائحة الستات، يبدأ برحلة عذابها النفسية قبل الجسدية، كانت تكره كل شيئا يرتبط به وبساديته السوداء التي قضت عليها وهي على قيد الحياة، حتى تمنت الموت كل ليلة خطى الى الفراش، كانت غارقة بالنوم، مرر كفيه على جسدها بوقاحة هبت من نومها صارخة، رأت تلك الاعين التي لم تكره مثلها بالحياة، سحبت الغطاء حول جسدها في فزع.