منوعات

الخامس عشر من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

لكن اللحظة لم تكتمل… فقد دلف غسان إلى المكتب بعدما عاد مرة أخرى، مدفوعًا بالشكوك التي أخذت تنهش عقله منذ رأى عبدالرحمن وخديجة معًا. تسمّر مكانه بمجرد أن وقعت عيناه عليهما، ثم تراجع خطوة إلى الخلف، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة اعتذار لم تُخفِ ما يدور في رأسه. _آسف… معرفش إن فيه حد معاك. كانت ماسة ومراد خلفه، وقد شاهد الاثنان ما حدث. انتفضت خديجة مبتعدة عن عبدالرحمن، واشتعل وجهها بالخجل والغضب، ثم نهضت على عجل وغادرت المكتب دون أن ترفع عينيها إلى أحد، وكأنها تهرب من نظراتهم.

أما عبدالرحمن، فظل واقفًا للحظة يتابع خروجها بعينيه، قبل أن يستدير نحو غسان بنظرة حادة، انطفأ معها أي أثر للهدوء الذي كان يغمر ملامحه منذ ثوانٍ. _متتخطاش حدودك معايا يا غسان. فيه باب تخبط عليه قبل ما تدخل. لم ينتظر ردّه، بل تحرك خلف خديجة بخطوات سريعة. دلف غسان إلى المكتب مطلقًا صفيرًا خافتًا، ويداه تستقران في جيبي بنطاله، وعلى شفتيه ابتسامة مستفزة. لم تكن تلك الابتسامة موجهة إلى عبدالرحمن الذي غادر، بل إلى ماسة التي وقفت في مكانها جامدة، قبل أن تستدير نحو النافذة، وكأنها تبحث في الخارج عن شيء ينقذها من المشهد الذي ما زالت تراه أمام عينيها.

قبلة واحدة… مجرد قبلة عابرة، لكنها كانت كافية لتعيد فتح جرح حاولت عبثًا أن تقنع نفسها بأنه التأم. وهي تراه يقبّل خديجة، كادت تختنق من الداخل. لم يكن الألم في القبلة ذاتها، بل في الطريقة التي انحنى بها عبدالرحمن نحوها. كم تمنّت لو كانت هي مكان خديجة! كم تمنّت أن ينظر إليها بتلك الطريقة، وأن يضمها إليه لأنه يريدها، لا لأنها فرضت نفسها على حياته، وأن ينطق باسمها دون أن يختلط به اسم امرأة أخرى تسكن أعماقه.

عادت بذاكرتها إلى يوم ظنّت فيه أنها تستطيع التقرب منه. قبل عودتهم إلى مصر بأسابيع، كانت ماسة قد أعدّت احتفالًا بسيطًا بعيد ميلاد سيليا. أرادت له أن يكون مختلفًا عن كل مرة، وأن يجمعهم معًا في صورة عائلة صغيرة… كما ظنّت. زيّنت المكان ببالونات قليلة، وجهّزت كعكة صغيرة، وانتقت ثوبًا أحمر ناعمًا، أقرب إلى قميص نوم أنيق منه إلى فستان، ثم وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها طويلًا. وضعت لمسات من الزينة أبرزت جمال ملامحها، وتركت شعرها ينسدل حول كتفيها.

كانت تعرف أن عبدالرحمن لا يحبها، وأن قلبه ظل معلقًا بخديجة، حتى بعد كل ما حدث بينهما. لكنها لم تعد قادرة على احتمال فكرة أن تظل مجرد امرأة تعيش تحت سقف واحد معه، تراه كل يوم، وتقترب منه بما يكفي لتشم رائحته، ثم تعود إلى غرفتها كل ليلة وحيدة. لقد تعلّقت به أكثر مما ينبغي، رغم أنه الرجل الذي لم يعجبها يومًا، ولم تظن أنها ستحاول التقرب منه.

فمنذ أن رأته يتعامل بحنان مع سيليا، ومنذ شاهدت كيف يمنح ابنته اهتمامًا لا ينضب، وكذلك احتفاظه بكل ما يخص حبيبته، وحبه الجنوني لها رغم زواجها بآخر، كما أخبرها غسان، بدأت تتعلق بذلك الجانب منه، جانب الوفاء. أخذت تتخيل نفسها جزءًا من حياته، لا مجرد أم لابنته. فُتح باب المنزل أخيرًا، فانتفض قلبها. دخل عبدالرحمن يحمل لعبة ضخمة، وينادي ابنته بصوته الدافئ:
_سيليا! يا ترى أميرتي فين؟ ما إن سمعته الصغيرة حتى ركضت نحوه بفرحة، وذراعاها الصغيرتان ممدودتان إليه.

انحنى يحملها، ورفعها بين ذراعيه، ثم أخذ يقبّل وجنتيها بحنان.
_كل سنة وحبيبة بابي طيبة. ضحكت سيليا، وأحاطت عنقه بذراعيها، ثم طبعت قبلة على وجنته. _سيليا تحب بابي كتتتتتير! سيليا تحب بابي كتتتتتير! انفجر ضاحكًا، وضمها إلى صدـ,,ـــره، ثم دار بها في المكان، غير عابئ بشيء سوى ابتسامتها التي كانت كفيلة بأن تمحو عن وجهه تعب يوم كامل. وقفت ماسة تراقبهما، وقد ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها. لقد أحبت ابنتها التي كانت تمقتها، بل حاولت .ها، لكنها أحبتها لحب عبدالرحمن لها.

نزلت الدرج بخطوات هادئة، تلفت انتباهه دون أن تقصد، أو ربما كانت تقصد ذلك تمامًا. رفع عبدالرحمن رأسه إلى صوت كعب حذائها، فتوقفت عيناه عليها للحظات، يتأمل هيئتها في صمت، قبل أن يعود إلى ابنته ويجلس على الأريكة، واضعًا الصغيرة فوق ساقيه. اقتربت ماسة منهما، وانحنت لتقبّل ابنتها. رفعت سيليا اللعبة أمام وجهها بحماس.
_بابي جابها! ابتسمت ماسة وهي تنظر إلى عبدالرحمن. _طبعًا، بابي طول عمره لازم يجيب لك لعبة حلوة ومميزة يا سيلي.

ابتسم عبدالرحمن لابنته، فمالت الصغيرة نحوه وقبّلته مرة أخرى، قبل أن تنزل عن ساقيه وتركض نحو الكعكة التي تتوسط الطاولة. تابعها بعينيه مبتسمًا، ثم قال:
_يلا بقى علشان نحتفل بعيد ميلاد أميرة بابي. بقيت ماسة واقفة أمامه، تتأمل ملامحه التي كانت أكثر هدوءًا في تلك اللحظات. انحنت قليلًا حتى أصبحت في مستوى عينيه، ثم همست بابتسامة حاولت أن تجعلها طبيعية:
_كل سنة وتجيبلها يا عبدالرحمن. لم يُجبها.

انت في الصفحة 5 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى