ظل ينظر إليها بصمت، وقد بدأت ملامحه تتغير حين لاحظ اقترابها الزائد، والطريقة التي أخذت تتعمد بها تقليص المسافة بينهما.
وضعت كفيها على شعره، وأخذت تمرر أصابعها داخل خصلاته ببطء، حتى كادت أنفاسهما تتلامس.
_مش هنحتفل بعيد ميلاد سيليا بس… أنا السنة دي لأول مرة عايزة أحتفل معاك أنتَ وبس.
تقلصت ملامحه قليلًا، ونظر إليها نظرة متفحصة. _عايزة إيه يا ماسة؟
لم تجبه، بل اقتربت أكثر، ثم دفــ,,ـــــنت وجهها عند عنقه، تستنشق عطره الذي حفظته عن ظهر قلب.
تجمّد من فعلتها، وتوقف عقله للحظات، لكنها همست بصوت خافت، متعمد الإغراء:
_أحبك وتحبني.
تصلب جسده للحظة. كان عليه أن يبتعد، أن يوقفها عند حدها، وأن يتذكر أن قلبه لم يكن ملكه وحده. لكن رائحتها، تلك الرائحة التي يحفظها قلبه قبل عقله، رائحة حبيبته الغائبة، جعلت عقله يتيه. فباغتته بقبلة على وجنته، ثم رفعت وجهها إليه، وعيناها تتعلقان بعينيه بإلحاح موجع. _حبني يا عبدالرحمن. خرجت الكلمات من شفتيها محملة بالمشاعر، ثم اقتربت تقبّله.
وفي لحظة ضعف خاطفة، وهو يتخيلها خديجة، أغمض عينيه ولم يقاوم؛ استجاب لقبلتها، فتشبثت به وفسّرت استجابته على أنها انتصار. جلست فوق ساقيه، وأحاطت عنقه بذراعيها، وأخذت تهمس له بكلمات رومانسية. أما هو، فقد أخذت مشاعره تتداخل وارتفع نبضه. غابت عنه حقيقة أنها ماسة، واختلط عليه الحاضر بالماضي، حتى خرج اسم من بين شفتيه في همس خافت، اسم المرأة التي لم يستطع قلبه تجاوزها. _خديجة… تجمدت ماسة للحظة بعدما سمعت الاسم بوضوح، وشعرت كأن شيئًا باردًا انسكب في صدـ,,ـــرها، لكنها سرعان ما تجاهلت ما سمعته، وأقنعت نفسها بأنه ربما يأتي يوم ينساها فيه… لقد انتوت أن تنسيه.
تعرف بأمر حبيبته، وتعرف أن خديجة لم تكن امرأة عادية في حياته، لكنها لم تعد تفكر في عواقب ما تفعله. لم تكن تريد سوى أن تشعر بأنه لها، ولو لدقائق قليلة، بعد أن رأت بعينيها مقدار الحب والحنان الذي يمنحه لخديجة ولابنته. اقتربت أكثر، تهمس له بما يحبه العشاق، وتحاول أن تشغله عن كل شيء سواها. وللحظات، غاب عنه وعيه بما يحدث حوله، واستسلم لضعف لم يكن يشبهه، بينما كانت ماسة تتوهم أنها انتزعت قلبه أخيرًا.
لكن صوت الصغيرة شقّ تلك اللحظة فجأة. صرخت سيليا بألم وهي تحاول إشعال الشموع، بعدما لامست النــ,,ـــــار أطراف أصابعها. _آآآه! بابي! انتفض عبدالرحمن من مكانه، وكأن صرختها انتزعته من عالم آخر وأعادته إلى واقعه دفعة واحدة. ابتعد عن ماسة بسرعة، ونظر حوله بذهول، ثم وقع بصره على ملابسه المضطربة، وعلى وجهها الذي كان يلمع بالانتصار قبل ثوانٍ. ثم سمع بكاء ابنته. هبّ واقفًا واتجه إليها بخطوات سريعة، وانحنى أمامها، يحتضن كفها الصغير بين يديه.
_وريني كده يا حبيبتي… وريني صباعك. أخذ ينفخ برفق على أناملها، ويتفحص موضع اللسعة بقلق، بينما كانت الصغيرة تبكي وتتعلق به. _خلاص يا قلب بابي، خلاص… أنا معاكي، مفيش حاجة، متخافيش. رفع رأسه يبحث عن المربية، ثم نادى بصوت مرتفع:
_محدش هنا؟! وقفت ماسة خلفه، تحاول استعادة هدوئها، ثم قالت ببرود متوتر:
_مفيش حد يا عبدالرحمن. لم يرد عليها. حمل سيليا بين ذراعيه، وضمها إلى صدـ,,ـــره، ثم اتجه بها إلى غرفته. جلس مع ابنته، وأحضر الكريم المناسب، واعتنى بأصابعها الصغيرة حتى هدأت، وظل يربت على ظهرها ويهمس لها بكلمات مطمئنة، إلى أن غلبها النعاس واستسلمت للنوم بين ذراعيه.
ظل يتأمل وجهها الصغير طويلًا، ثم طبع قبلة على جبينها، وشدّ الغطاء حولها. وحين اطمأن إلى نومها، نهض بهدوء وغادر. لكنه ما إن خرج حتى وجد ماسة واقفة عند الباب، تنتظره، وعيناها تلاحقانه برجاء لم يعد يحتمل رؤيته. حاول تجاوزها دون كلمة، لكنها أمسكت بذراعه. _عبدالرحمن! توقف، ونظر إلى يدها الملتفة حول ذراعه، ثم رفع عينيه إليها ببطء. _سيبيني يا ماسة. _استنى، اسمعني بس… انتزع ذراعه من قبــ,,ـــــضتها، وقد بدأ الغضب يتصاعد في عينيه.
_قلت لك سيبيني! ارتبكت للحظة، لكنها لم تتراجع. كانت تعرف أن ما حدث لن يتكرر بسهولة، وأنها إن تركته يرحل الآن، فقد تخسر حتى الوهم الذي تعلقت به. _أنتَ هتعمل إيه دلوقتي؟ هتتجاهل اللي حصل كأن مفيش حاجة؟ نظر إليها بذهول، كأنه لا يصدق أنها تسأله هذا السؤال. _أنتِ بتتكلمي عن إيه يا ماسة؟ اقتربت منه خطوة، وقد بدأت نبرة صوتها تحمل شيئًا من العتاب الممزوج بالغضب. _عننا يا عبدالرحمن! عن اللحظة اللي كنت فيها معايا، عن إنك استجبتلي، وإنك للحظة واحدة نسيت كل حاجة!
اشتدت ملامحه، وأطبق فكيه بقوة. _أنتِ اللي حاولتي تفرضي نفسك عليَّ، وأنا غلطت لما سمحت للحظة ضعف إنها تسيطر عليَّ. بس متجيش تفسري غلطي على مزاجك، ولا تبني عليه حاجة مش موجودة. ارتجفت شفتاها، لكنها تماسكت، ثم ألقت بالكلمات التي كانت تعرف أنها ستصيبه في أعمق مواضع ألمه. _كل ده علشان خديجة؟ حبيبتك اللي خانتك وراحت اتجوزت غيرك؟ لسه بتحبها بعد كل اللي عملته فيك؟! وصل أمامها وصفعها بقوة جعلت رأسها يميل إلى الجانب، وتراجعت خطوة وهي تضع كفها على خدها، غير قادرة على استيعاب ما حدث.