لكنه لم يتوقف عند غضبه. أمسكها من شعرها، وأجبرها على النظر إليه، وعيناه تقدحان شررًا. _إياكي تجيبي اسمها على لسانك تاني! سمعتي ولا لأ؟! شهقت، وقد تجمد الدم في عروقها من شدة الخوف. _عبدالرحمن، أنتَ بتوجعني! أفلت شعرها بعنــ,,ـــــف، ثم ابتعد عنها، يمرر كفه فوق وجهه، كأنه يحاول أن يمحو ما حدث، أو ينتزع ما حدث من رأسه. لم يكن غضبه منها وحدها، بل من نفسه أيضًا؛ من ضعفه الذي سمح لتلك اللحظة أن تحدث، ومن قلبه الذي لم يستطع أن يمنح امرأة أخرى شيئًا مما ظل يحتفظ به لخديجة.
كان يكره أن يشعر بأنه فقد السيطرة على نفسه، ويكره أكثر أن يقترب أحد من الجرح الذي يحاول إخفاءه عن الجميع. أما ماسة، فظلت واقفة في مكانها، تحاول استيعاب قسوته، ودموعها تتجمع في عينيها. لقد أرادت أن تجعله يحبها، لكنها انتهت إلى تذكيره بالمرأة التي يحبها أكثر. أرادت أن تنتصر، فوجدت نفسها أمام رجل يرفضها، لا لأنها لم تكن جميلة بما يكفي، ولا لأنها لم تحاول بما يكفي، بل لأن قلبه كان في مكان آخر، مكان لا تستطيع الوصول إليه مهما اقتربت منه بجسدها.
اندفع عبدالرحمن مبتعدًا عنها، واتجه إلى غرفته بخطوات غاضبة، ثم أغلق الباب خلفه بعنــ,,ـــــف. دوّى صوت تحطم شيء في الداخل. تراجعت ماسة مذعورة، وحدقت في الباب المغلق. ثم جاء صوته، مبحوحًا، غاضبًا، كأنه يصرخ في وجه خديجة:
_بكرهك يا خديجة! لم تكن تعرف إن كان يكره خديجة حقًا، أم يكره نفسه لأنه ما زال يحبها، رغم كل ما حدث، ورغم كل محاولاته لإقناع نفسه بأنه تجاوزها. لكن صوته لم يحمل كراهية خالصة بقدر ما حمل عجزًا موجعًا؛ عجز رجل لم يستطع أن ينسى، ولم يعد يعرف كيف يعيش بما تبقى منه.
ظلت ماسة تنظر إلى الباب، تسمع صوت تحطيم الأشياء وصراخه المتقطع، وكلما ارتفع صوته، شعرت بأن شيئًا داخلها ينكسر معه. خرجت من شرودها على صوته وهو يدلف إلى الداخل. _عايز إيه يا غسان؟ انتفض قلبها قبل أن تلتفت إليه، وكأنها كانت تنتظر عودته رغم كل ما يعتمل في صدـ,,ـــرها من وجع. التفتت إليه، وتجمعت الدموع في عينيها دون استئذان. لم تكن تستطيع محو الصورة التي ظلت تطاردها طوال الوقت؛ قبلاته لخديجة، وطريقته في الاقتراب منها، وكأن العالم بأسره لا يتسع إلا لهما.
ابتلعت غصتها، ثم اقتربت منه بخطوات مترددة، تسأله بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا رغم ارتجافه:
_كنت فين كل ده؟ لم يجبها. حتى إنه لم يمنحها نظرة واحدة، وكأن سؤالها لا يستحق منه عناء الرد. تجاوزها متجهًا إلى المقعد، وجلس عليه بملامح جامدة، بينما ظلت واقفة. دخل مراد، رفع غسان رأسه إليهما، ثم أشار إلى المقاعد أمامه. _اتفضلوا، نقعد نتكلم في اللي حصل النهارده…
جلس مراد، بينما استقر عبدالرحمن في مقعده بصمت أثار ضيق غسان، الذي مرر يده على وجهه بعصبية، ثم قال بنبرة غاضبة:
_سمعتوا الغضب اللي كان في الاجتماع؟ بقالنا شهور والدنيا واقعة، وأسهم الشركات بتنهار، والأعضاء مش سايبين لنا فرصة نتنفس! عايزين خطة واضحة ترفع الأسهم تاني، مش هنفضل واقفين نتفرج على اللي بيحصل! التفت إلى مراد، وأردف بلهجة آمرة:
_تجتمع مع الوكلاء في الشرق، وتشوف آخر التطورات والأخبار، وتراجع كل الاتفاقيات اللي ممكن تكون أثرت على وضعنا في السوق. عايز تقرير كامل قدامي في أسرع وقت.
أومأ مراد بهدوء، بينما استدار غسان نحو ماسة، التي وقفت على مسافة منه، تحاول أن تتماسك أمام نظراته الحادة. _وأنتِ، شوفي كل المشاريع والتطورات، وادرسيها كويس قبل الاجتماع الجاي. عايزك تبقي عارفة كل تفصيلة، وكل احتمال ممكن يتطرح قدامنا، لأن اللي حصل النهارده مهزلة! قاعدين قدام الأعضاء ومش عارفين نرد على سؤال واحد بشكل مقنع! رفعت ماسة عينيها إليه، ثم أجابته بفتور يخفي خلفه انكسارًا عميقًا:
_أنا مبقاش ليا شغل في الشركة يا غسان. كل حاجة بقت تحت إدارة عبدالرحمن دلوقتي.
نهض غسان من مكانه بعنــ,,ـــــف، حتى احتك المقعد بالأرض محدثًا صوتًا حادًّا. تقدم نحوها بخطوات واسعة، وفي عينيه غضب كاد يبتلع ما تبقى من صبره. _أنتِ بتقولي إيه؟ تراجعت ماسة نصف خطوة، لكنها لم تخفض عينيها عنه. _أنا سلّمت كل حاجة، ومبقتش مسؤولة عن أي قرار يخص الشركة. اقترب منها أكثر، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، ثم قال من بين أسنانه:
_اسمعيني كويس يا ماسة، المشاكل الخاصة حاجة، وشغلنا حاجة تانية خالص. مش معنى إن حياتك الشخصية فيها مشاكل إنك تيجي على شغلك وتسيبيه يقع! فوقي لنفسك، واستلمي مسؤولياتك، وراجعي كل الملفات اللي عندك.
ثم أشار بيده في انفعال، وأضاف بلهجة قاطعة:
_أما الورق اللي سلّمتيه، فبليه واشربي ميته، إنتِ والباشا اللي قاعد جنبك! رفع عبدالرحمن عينيه إليه ببطء، دون أن تتغير ملامحه، بينما اشتعل الغضب في عيني ماسة، لا من كلماته وحدها، بل من طريقته في الحديث عنها أمام الآخرين، وكأنها موظفة صغيرة يقف ليحاسبها. استدار غسان نحو عبدالرحمن، وحدق فيه بتحدٍّ واضح. _وأتمنى الأستاذ يرجع يفكر تاني في قراره، ويركن العلاقات الخاصة على جنب. الشركة مش لعبة، ومش كل واحد يزعل يقوم سايب مسؤولياته ويمشي!