منوعات

الخامس عشر من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

لم يتحرك عبدالرحمن في البداية، لكنه رفع رأسه إليه ببطء، وكأن الكلمات وصلت إلى آخر خيط يربط غضبه بصبره. ثم نهض. كانت حركته مفاجئة، وتقدم نحو غسان بخطوات هادئة؛ هدوء لم يحمل أي طمأنينة، بل أنذر بعاصفة توشك أن تنفجر. توقف أمامه مباشرة، وقال بصوت منخفض، لكنه كان حادًّا بما يكفي ليجعل الكلمات تتساقط كحد السكــ,,ـــــين:
_أنتَ قلت إيه يا غسان؟ رفع غسان ذقنه بعناد. _اللي سمعته. إحنا في شغل.

انتفض مراد واقفًا، بينما تجمدت ماسة في مكانها، وقد اتسعت عيناها وهي تنظر إلى مراد خوفًا مما يحدث. أصبح عبدالرحمن واقفًا أمام غسان، فقال بنبرة هزت سكون الغرفة:
_اسمعني كويس يا غسان، لأن الكلام ده مش هقوله تاني. يمكن السنين اللي فاتت نسّتك مين هو عبدالرحمن، ويمكن وجودي وسطكم خلاك تفتكر إنك تقدر تأمرني وتحدد لي أعمل إيه وماعملش إيه، بس واضح إنك نسيت أنا مين!

انحنى قليلًا نحوه، وأسند كفيه إلى ذراعي المقعد، ثم أردف بصرامة:
_أنا مباخدش أوامر من حد، ولا بسمح لحد يفرض عليَّ قراراته. الشركة عندك؟ أهي عندك، ويارب تعمل اللي أنتَ عايزه فيها! تولع، تخسر، تكسب، دي حاجة تخصك ومبقتش تعنيني. ولو على الأسهم اللي ليا فيها، فاعتبرها مقابل السنين اللي قضيتها وسطكم، أو اعتبرها مشروع بيني وبينك وأنتَ اللي كسبته. أنا مش واقف على باب الشركة مستني منك تمن تعبي، ولا محتاج أفضل فيها علشان أثبت لك إن ليَّ قيمة!

كانت كلماته تخرج من صدـ,,ـــر أثقله ما مر به، ولم يعد لديه استعداد لخوض معارك جديدة لإثبات براءته أمام غسان الذي لا يريد أن يفهمه. استقام في وقفته، ثم استدار نحو ماسة. تغيرت ملامحه للحظة، وانطفأ شيء من حدة الغضب في عينيه، لكن صوته ظل حاسمًا وهو يقول:
_أما بخصوص مراتي، فدي حاجة تانية.

ثم أعاد نظره إلى غسان، وتابع بلهجة لم تقبل جدالًا:
_لما تتكلم مع ماسة، تتكلم معاها في حدود إنها بنت عمك، مش موظفة عندك ترفع صوتك عليها وتأمرها وتنهى معاها زي ما إنت عايز. طول ما هي على ذمتي، محدش له عندها أمر ولا نهي بالطريقة دي، وأنا أول واحد مش هسمح بكده. تجمدت ماسة في مكانها، تتابع حديثه والكلمة التي نطق بها. مراتي… كلمة واحدة، لكنها اخترقت قلبها. كم مرة انتظرت منه أن يتذكرها بهذه الصورة؟ أن يشعر بها، وأن يدافع عنها دون أن تضطر إلى طلب ذلك؟

خفضت عينيها، تخشى أن تفضحها دموعها، بينما تابع عبدالرحمن حديثه دون أن يلتفت إليها. _أنا هنا علشان كلمة وعدت بيها غياث الحداد، والوعد عندي مش بيتكسر، حتى لو كان على حساب راحتي. غير كده، لا أنتَ ولا شركاتك ولا أي حاجة تخصك تلزمني. _وأظن الفترة اللي قضيتها معاكم كفاية علشان تعرفوا إن عبدالرحمن مبيخدش قرش إلا وهو تعب فيه، ومبيمدش إيده لحاجة مش من حقه. أخرج نفسًا طويلًا، ثم ألقى نظرة سريعة على ساعته، وكأن وجوده في ذلك المكان أصبح أثقل عليه من أن يتحمله دقيقة إضافية.

تحرك نحو المكتب، وسحب ورقة كانت موضوعة فوقه، ثم عاد ووضعها أمام غسان. _الورقة دي فيها تنازل واضح عن إدارة كل حاجة تخصني في الشركة خلال فترة غيابي. من النهارده، إنت المسؤول عن كل القرارات، وكل الحسابات، وكل اللي هيحصل. اعتبرني مش موجود خالص، ومتحاولش ترجع لي في أي حاجة، لأن قراري نهائي. تطلع غسان إلى الورقة أمامه، ثم رفع عينيه إلى عبدالرحمن، والغضب يشتعل في ملامحه. كان يريد أن يرد، أن يوقفه، لكنه لم يجد كلمة واحدة تستطيع أن تهز ثباته.

فعبدالرحمن لم يكن رجلًا يهدد بالرحيل ليُسترضى، ولم يكن من أولئك الذين يتراجعون حين ترتفع الأصوات في وجوههم. حين يتخذ قراره، يصبح الرجوع عنه أصعب من خسارة كل ما تركه خلفه. التفت عبدالرحمن نحو ماسة، التي كانت لا تزال واقفة في مكانها. _ماسة، يلا. رفعت رأسها إليه، ثم نظرت إلى غسان الجالس على المقعد، وقد استقرت عيناه عليها بنظرة مشتعلة، كأنها لو كانت سهمًا لانطلق من عينيه وأصابها في م..

ارتجفت أنفاسها، لكنها لم تمنحه فرصة لرؤية ضعفها. استدارت دون أن تنطق بكلمة، ولحقت بعبدالرحمن الذي سبقها إلى الخارج خرجت ماسة معه من الشركة، توقف أمامها
_العربية هتوصلك على قصر ابوكي
_انت مش هتيجي معايا
التفت لسيارته التي تجلس بها خديجة تنظر اليهم
_لا…

لو احتجتي حاجة كلميني
نظرت اليه بصمت، ثم اقتربت منه بعدما لمحت نظرات خديجة عليهم ثم طبعت قبلة على وجنتيه وتراجعت تنظر لعينه
_شكرا على االي قولته قدام غسان
اتجه بنظره سريعا الى خديجة، ثم التفت الى ماسة
_مكنش له لزوم اللي عملتيه دلوقتي
_ليه مش جوزي، وكمان عايزة اشكرك على اللي قولت
اشار اليها بتهديد
_انت عارفة انا قولت كدا ليه، بلاش الحركات دي تمام
ارتدت نظارتها، ثم اتجهت الى السيارة
_متتأخرش على الحفلة، الكل عارف انك المدير العام للجروب الحداد
اتجه لسيارته دون رد، صعد بجوار خديجة
_اسف

انت في الصفحة 8 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى