ابتلع غصته بصعوبة، وقال بصوت مكسور:_خلاص يا خديجة… اهدي. مش عايز منك حاجة._ابعددددد!انفجرت صرختها، فاختل توازها ثم سقطت على ركبتيها، وانحنت على نفسها وهي تبكي، تشد جلدها بأصابع مرتعشة وكأن الألم الخارجي أهون من الذي ينهش صدرها. .وكلمات ذاك الحقير عن عشقه لجسدهاهنا لم يحتمل عبدالرحمن، اندفع نحوها، وهوى على الأرض أمامها، وسحبها إلى أحضانه. قاومته بكل ما تبقى فيها من قوة. دفعت صدره، ضربته، حاولت الإفلات منه. لكن ذراعيه أحاطتا بها رغمًا عنها._آآآه… ابعد!
_خديجة…_أنا بكرهك! حيو ان تجمد.. ثم أغمض عينيه. نزلت دمعة ساخنة على خده دون أن يشعر..
لقسوته لها في اتمام زواجه ظلت تلكمه ورفعت كفيها تمزق وجههوهي تردد همـ وتكوهو يحاوطها بكل قوة لديه، حتى لم يشعر بجروح وجهه الذي اصابته بها ضم رأسها بقوة الى صدره_خلاص ياخديجة، اوعدك مش هقرب منك، هعملك اللي انت عايزاه، اهدي ولكن الام السنين خرج دفعة واحدة وهي تضرب وتمزق دون رحمة، وكأنها تحارب شيطانا نهض وضمها بعنف يحملها، مع صراخها شعر بأنها لم تكن بوعيها، ضمها الى صدره، وهو يهمس باذنها ببعض الكلمات _ديجة اهدي، مش هقرب منك، وعد هدأت أنفاسها بعدما وصل صوته اليها وضعها على الفراش، يرفع خصلاتها من فوق شعرها، يمسح دموعها، محاولا على عدم انهياره أمامها_خلاص.
.. اهدي، انسي أي حاجة قالها بصوت حاني وهو يمسد على خصلاتها… همست بصوت يكاد ان يخرج_بكرهك يا عبدالرحمن… بكرهك!رغم انها كلمة لكنها سقطت داخله كطعنة. مزقته الى اشلاء لم يسألها لماذا. فقط شدها إليه أكثر، ومسح على شعرها بيد مرتجفة، كأنه يحاول تهدئة طفلة تحطمت بين يديه. _ماشي يا حبيبتي…اختنق صوته… وهو يضمها وقال _اكرهيني.. بس بطلي عياط… اكرهيني براحتك، بس متأذيش نفسك. ضربته بقبضتها الضعيفة على صدره._ابعد… أنا بكرهك. ثم شهقت من بين بكائها:_أنت السبب… أنت السبب!توقفت أنفاسه. خفض عينيه إليها.. وليته لم يخفضها.
رآى جسدها لأول مرة.. رأى آثار الإصابات المنتشرة على جسدها، آثارًا قديمة، من حروق وتعذيب، تجمدت ملامحه… للحظة اختفت كل الكلمات.. وكأنه لم يعلم حروف اللغة رفع عينيه إليها، ثم عاد ينظر إلى جسدها، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه. ابتعد عنها قليلًا، وشعر بدوران الأرض به، لحظات وهو يحاول أن يستوعب مايراه، هز رأسه رافضًا مايؤله عقلهانحنى امامها وأمسك وجهها بين راحتيه. ينظر لعيناها المنتفختين من كثرة البكاء، وملامحها منهارة بصورة لم يرها عليها من قبل.
ظل يتأملها طويلًا. ثم تسائل بصوتًا خافتًا، مرتجفًا يدعو من الله ان مافهمه خطأ:_مين… عمل فيكي كده؟لم تجبه.. فقط نظرت إليه. نظرة واحدة كانت كافية لتحطم ما تبقى منه. اقترب قليلًا، وكأن الإجابة تخيفه._مين عمل فيكي كده يا خديجة؟انهمرت دموعها. نظرت لداخل عيناه ولكمته بقوة _أنت…توقف قلبه للحظة، وكأن كلماتها أصابته في مقتل، ظل يحدق بها عاجزًا عن استيعاب ما يسمعه.— أنت السبب…هبطت قبضتها على وجهه من جديد، لكمة أخرى، بينما ظل جالسًا أمامها متجمدًا، لا يدفعها ولا يحاول الدفاع عن نفسه، وكأن كل كلمة منها كانت أقسى عليه من الضرب.
— أنا بكرهك… بكرهك! سبتهم يعذبوني!انتفضت واقفة، وفي لحظة جنون ممزوجة بالانكسار، شقت ثيابها أمامه، وهي تصرخ من بين دموعها:— اتفرج يا بشمهندس… وخد حقك حلو!اقتربت منه، راحت تضرب صدره وكتفيه بكل ما بقي في جسدها من قوة، و دموعها تنهمر بلا توقف. — إيه؟ اتخرست ليه؟ مش عاجبك؟خرجت منها ضحكة عالية مكسورة، ضحكات ممزوجة بالبكاء اكثر واكثر، بل كانت أشبه بصرخة قلب لم يعد يحتمل.— ولا زعلان علشان مابدأتش أنت رحلة التعذيب؟دفعته مرة أخرى، ثم مرة أخرى، وكأنها تحاول أن تُخرج من جسدها كل ما علق به من خوف وقهر.
— أنا بكرهكم كلكم!نهضت إليه من جديد، تدفعه بعنف، وصوتها يتكسر بين شهقاتها:— بكرهك! سمعتني يا عبدالرحمن؟ بكرهك!ثم خارت قواها فجأة، وسقطت على الأرض أمامه، تتشبث بقميصه بكلتا يديها، وانفجرت في بكاء مرير، شهقات متلاحقة تمزق صدرها. لم يحتمل رؤيتها هكذا..
نزلت دموعه بغزارة، لا يستوعب مايحدث لها، ماهذا الذي يرى، جسده ينتفض وقلبه يصرخ برعب، لا تصدق عيناه، حتى شعر بأنه داخل كابوس رفعت وجهها الغارق بالدموع تهمس ببكاء _ايه مش عايز تكمل جوازك، ولا قرفت ولا خديجة مبقتش امنيتك وندمت مد ذراعيه إليها، وسحبها إلى صدره بقوة، يضمها وكأن احضانه النجاة له في الحياة، ضمها حتى شعرت باختناق انفاسها من قوة ضمته— خلاص يا خديجة.
.. خلاص، اهدي… أنا آسف.. آسف ارتجف جسدها بين ذراعيه، ولم تتوقف عن البكاء. التقط روبها الملقى على الأرض، وأحاط به جسدها المرتجف، ثم ألبسها إياه بهدوء، وهي ما زالت متشبثة به، تخشى أن يتركها فتسقط من جديد. رفعها عن الأرض، وحملها إلى الفراش. لفت ذراعيها حول عنقه، ودفنت وجهها في صدره، بينما كانت شهقاتها المتقطعة تهز جسدها. وضعها فوق الفراش برفق، وانحنى يقبل جبينها طويلًا، ثم همس بصوت مثقل بالندم:— سامحيني…لم تجبه. فقط أمسكت كفيه، وضمت يده إلى وجهها، ثم وضعت رأسها فوق كفيه وأغمضت عينيها.